البروفيسور علي صالح الجبوري
قصي منذر
كلما هممت بالكتابة، اعتراني ترددٌ استعصى عليَّ أن أستجلي مأخذه؛ أهو وَجَلُ الإفصاح إذ ينوء بثقل الأمانة، أم خفقةُ القلب في حضرة الإنصاف، أم أن لبعض الأعلام من سموِّ المنزلة، وذيوع الصيت الحسن، ورسوخ الأثر، ما يقتضي استقصاء الرويَّة، وإطالة التأمل، مخافة أن تجور العبارة عن محجَّة الحقيقة، أو تنكص عن استيفاء ما انطوت عليه السريرة، واستوعبه الوجدان؟. فأظل موزع الخاطر بين باعثٍ يحدوني إلى المضي، وأناةٍ تستوقفني حتى يستوي المعنى على سوقه، ويأتلف شتيتُه، ويشتد أسرُه، وتنتظم أجزاؤه، وتستقر الألفاظ في قرارها، فلا يتقدم منها لفظٌ، ولا يتأخر آخر، ويجيء الوصف موافياً للحقيقة، غيرَ مائلٍ عنها، ولا محيد به إلى تقصير ولا يشوبه افراط.
وظلَّ هذا المعنى يلحُّ عليَّ، ويأخذ من خاطري مأخذًا، حتى استقرَّ في نفسي أن الصمت، وإن كان أحيانًا أبلغ من القول، إلا أنه إخلالاً حين يكون الواجب واجبَ إنصاف، والحديث حديثَ تقديرٍ، فالكلمة عهدٌ ومسؤولية، لا تستقيم إلا إذا حملت صدق الشعور ونبل المقصد، وجاءت في موضعها الذي يليق بها، مؤديةً ما عليها من حقٍّ ووفاء.
فيمَّمتُ وجهي شطر الذاكرة، أستمدُّ منها ما اختزنته الأيام، فما وجدتها إلا كما عهدتها؛ أمينةً على الوجوه، حافظةً للمواقف التي لم تطالها يد النسيان... وما إن أرخيتُ لها العنان حتى انفتحت مساربها، وتوالت منها الصور والمشاهد تباعًا، كأنها لحظاتٌ ما زالت نابضةً بالحضور، تستعيد مكانها في النفس، وتعيد معها وهج المواقف.
وكان أول ما استوقفني زمنٌ لم يألف الناس له مثيلاً في حاضر أعمارهم؛ زمنٌ انقلبت فيه هيئة الحياة، واضطربت فيه ملامح المألوف، وانسحب فيه الدفء من تفاصيل الأيام، وخيَّم على العالم وباء كورونا الذي القى على الناس ستارًا من الحذر والانقباض، فدخل القلق إلى البيوت، وخالط الوجلُ النفوس، واضطربت ملامح الطمأنينة في الوجدان، وأعيدت قراءة كثيرٍ من المسلّمات التي استقرّت في ذهن الإنسان، بعدما ركن طويلاً إلى ما بلغه من علمٍ وتقدمٍ واقتدار، وظنَّ أن ما شيّده من أسباب القوة قادرٌ على أن يحول بينه وبين مباغتات الزمن وتقلبات الأيام.
لقد تركت تلك المرحلة أثرًا عميقًا في الوعي الإنساني، فأعادت للنفس مراجعة علاقتها بالزمن، وبالأشياء القريبة التي لا يُنتبه إلى قدرها إلا حين تغيب، وعلى هذا الطريق ساقني القدر إلى لقاء رئيس الجامعة العراقية البروفيسور (علي صالح الجبوري)، وكنت إلى جانب زملاء من شعب ووحدات إعلام الجامعة، مدعوين إلى التكريم؛ فإذا بي أمام رجلٍ تتقدّم خصاله قبل اسمه، وتسبق شمائله موقعه ومكانته، وقد تجلّت في شخصه سعة الصدر وحسن الإصغاء، وهي خصالٌ لا تقل شأنًا عن العلم، ولعلها من تمامه. فما رأيته إلا مقبلاً على الناس ببشاشة، ولا سمعته إلا متخيرًا عباراته، موزونًا في أحكامه، يزن الأمور بميزان الحكمة، ويقدّم المصلحة العامة على ما سواها.
وكان مما يلفت في حضوره أن العلم عنده لم يكن منفصلاً عن الإنسان، ولا المعرفة بعيدةً عن مسؤوليتها، فكان حديثه باعثًا على الطمأنينة، ورأيه موضع ثقة، ولعلّ أكثر ما ظلّ ماثلاً أمامي هو ما قاله: (إذا كان لديك اختلاف مع أحد، فلا تجعل من الاختلاف عداوة، ولا تسمح للخصومة أن تفسد ما بينكما من ودّ؛ اختلف معه في الرأي، وخالفه فيما تراه صواباً، ولكن لا تجعل للخلاف يداً على أخلاقك، ولا تدع للغضب أن يمحو ما كان بينكما من تقدير؛ فالاختلاف في الرأي لا يفسد للودّ قضية، وإنما يفسد الودّ حين يتحول الاختلاف إلى ضغينة). ولقد رأيت في تلك الكلمة شيئاً من طبعه الذي لمسته في ذلك اللقاء؛ نفساً تأبى أن تجعل الخلاف قطيعة، أو الخصومة جفوة، وتعرف للناس أقدارهم وإن تباينت الآراء. ولا ريب، ولا مشاحة، في أن ما يبقى للإنسان ما يتركه من علمٍ نافع، وأثرٍ باقٍ، وسيرةٍ طيبة. وما ذلك بالهيّن ولا باليسير، وإنما هو فضلٌ يؤتيه الله من أخلص لرسالته، وجعل العلم غايته، والإنسان سبيله، وفي ذلك، عند ذوي الألباب، حسبُه وكفى.