مونودراما الأنا المفقودة بين الجسد والبيت والموت
تشظي الأنا في نصوص «من يدلني عليّ؟» الاديب وديع شامخ
عبدالكريم الحلو
● النصوص :
من يدلني عليّ ؟
وديع شامخ
( ١ )
● مثلُ كومبارس بليد
في مشهد منسي ، أعرض ابتسامتي بشفاه متورمة من الألم ،أشهر أسناني الطاعنة في الصفرة على الملأ ، وأدفن وجعي بحفنة دولارات من يد المنتج المتيبسة .
لا عزاء لي سوى هذه الحياة المصابة بسوء الهضم ،
كل ّ يوم تدور رحى الأيام لتطحن أحلامي المشنوقة على مشارف روحي ..
ربما تأتي لحظة اشراق لأرى في مرآة ذاكرتي ما يعينني على النوم العميق والحلم .. ربما أصطاد لحظة هاربة من سفر حياتي النابض بالحياة .
كل هذا يحدث وأنا أتقوس أمام صنم السعادة العائلية .
═ ◈═ ◈ ═
( ٢ )
● مثل مطرب أضاع حنجرته
أتوسل الآذان.. الإصغاء ، والكفوف.. التصفيق ،
لكنها المباهج لا صنو لها ، والصالة لا تسع نعيقي .. بوم اسحم أنا ، أحاول رشّ البياض على روحي .
ضئيل انا ولا قدرة لي على الكلام ، لساني بلعته أمرأة ، وريشي نتفته العائلة
أريد التحليق كما فكر عباس بن فرناس كمحاولة جادة للانتحار تحت شمس الله .
═ ◈═ ◈ ═
( ٣ )
● مثل عصفور بري
أرسم السماء زرقة،
وأحط على شجرة أحلامي
هكذا روت لي أمي :
"وكنت يا ولدي نزقاً في خروجك للحياة ، لم تصرخ بها ، نزلت صامتا بابتسامة أخفاها دم حبلك السري "
وهنا ادمنت الدم على لغتي وأخرس لساني
═ ◈═ ◈ ═
( ٤ )
● مثل مقبرة
لا أجيد دور الزهورعلى الصمت
زرت قبري النابت في قلبي ،
ووضعت عليه سؤال ..
لماذا لا تجيد السمع الى سمفونية الحياة ؟
ولم يجب ، فنقشت عليه سؤالاً ..
إلام تكون جنازة للمعنى ؟
بلا رفيف أطبق قلبي شفتيه على هواجسي وبكى
═ ◈═ ◈ ═
( ٥ )
● مثل خرافة مقدسة
في سفر الوجبات اليومية ،
لم يحسن هضمها ولدي الصغير
فأصيب بزحار الترع الملوثة .
ربما أدرك التقويم أن أيامنا مبلولة جدا ، فنزع جلده وغادر الجدران التي كانت بيتاً
═ ◈═ ◈ ═
( ٦ )
● مثل بيت
جديد لم يدرك شيخوخة الحب
اتوكأ على عيوني كي أتهجأه
لا أبصر ملامح ، تضاريس عارية ، ولا آفق .
بيت من عويل ، الأجنحة تتكدس على خزانة الأحذية ،
قبل دخول البيت لابد من تعويذة
═ ◈═ ◈ ═
( ٧ )
● مثل شحاذ
تصالح مع الطرقات
وأدمن العزف على الهواء ..
سأنشر روحي بلا أبجدية
بلا أسئلة معصوبة الأعين ..
سأقول بلغة واخزة :
أني أتوسل روحي .
يا جامعي اللقى ،
يا صيادين ، يا عاشقين يا منجمين ،
يا من ترفعون الله على اكتافٍ واهنة ،
يا دهقانة الحب ، يا نساء اللغو ، يا رجال الفضيلة ، يا تقاويم العشق ، يا بلاء الهمس، يا اغنية محشورة في فمي ، يا أصبعاً مرفوعاً للبوح ،
يافما يتفتق كجرح ساخن ،
يا أبجدية تصرخ على سبورة العمر :
أين أنا ومن يدلني علي ؟
ــــــــ ???? ــــــــ ???? ــــــــ
● المقدمة :
" حين اصطادني النص قبل أن أصطاده"
لم أذهب إلى نص الاديب وديع شامخ
وفي يدي شبكة الناقد، ولا جلست على ضفة اللغة متأهبا لاصطياد استعارة أو تفكيك صورة أو تشريح جملة.
كنت أظن أنني ذاهب إلى النص لأقرأه.
لكنني اكتشفت، بعد أن تورطت في مياهه،
أن النص كان قد سبقني إلى القراءة.
لقد اصطادني.
التقطني كما تلتقط المياه سمكة شاردة،
وسحبني بهدوء إلى أعماقه،
حتى لم أعد أعرف:
أأنا الذي أقرأ النص،
أم أن النص هو الذي يقرأني؟
شعرت بنصوص وديع شامخ النثرية أشبه بمياه لا ترى قاعها من الوهلة الأولى؛
مياه تبدو هادئة على السطح،
لكن تحتها تيارات خفية،
وأسماك من الأسئلة،
وحطام ذاكرة،
وأجساد تسبح في عتمة الروح،
وأحلام لم تصل إلى شواطئها.
كلما ظننت أنني أمسكت بخيط المعنى،
انفلت مني المعنى، وغاص أبعد.
وكلما أخرجت استعارة من الماء،
وجدت خلفها استعارة أخرى،
وخلف الأخرى جرحا،
وخلف الجرح سؤالا،
وخلف هذا السؤال :
يقف إنسانا وحيدا أمام مرآته ويسأل:
من يدلني عليّ؟
هكذا وجدتني أمام نص لا يكتفي بأن يكون جميلا؛ بل يمارس غوايته على القارئ حتى يفقده مسافة الأمان.
إنه نص لا يسمح لك أن تقف خارجه.
يطلب منك أن تدخل.
أن تبتل. أن تغرق قليلا.
أن تترك أدواتك النقدية على الشاطئ،
ثم تعود إليها بعدما تكون قد تغيرت.
ولذلك لم أقرأ «من يدلني عليّ؟»
بوصفها قطعة نثرية تبحث عن جمال الصورة فحسب، بل بوصفها كائنا حيا يتحرك تحت اللغة.
كانت الكلمات تخرج من النص كما تخرج الأسماك من الماء؛ تلمع لحظة، ثم تختفي.
وكان علي أن ألاحقها لا بعين الصياد،
بل بعين من يخشى أن يفقدها إذا أمسك بها ، ففي هذا النص،
الكومبارس ليس كومبارسا فقط،
والمطرب ليس مطربا،
والعصفور ليس عصفورا،
والمقبرة ليست مقبرة،
والبيت ليس بيتا،
والشحاذ ليس شحاذا.
إنها كلها أسماك مختلفة في بحر واحد:
بحر الأنا المفقودة.
كل صورة تصطاد جزءا من الإنسان،
وكل استعارة تجرح موضعا في روحه،
وكل مشهد يفتح نافذة على غرفة داخلية لم نكن نعرف أنها موجودة.
ولعل أكثر ما أدهشني في هذه النصوص
أن الجمال فيها لا يأتي منفردا.
الجمال يحمل ألمه.
والألم يحمل فكرته.
والفكرة تحمل صورتها.
والصورة تقود إلى سؤال.
والسؤال يعيدنا مرة أخرى إلى الإنسان.
وهذه هي اللحظة التي أدركت فيها
أنني لا أستطيع أن أتعامل مع نص وديع شامخ بمنهج نقدي واحد.
فالنص هائل ومهول و أكبر
من أن يدخل في قفص منهجي واحد.
إنه يطلب منا أن نقترب منه من جهات متعددة:
من النفس حين تتشظى،
ومن الفلسفة حين تسأل عن معنى الوجود،
ومن الدراما حين ترتدي الذات أقنعة مختلفة،
ومن السيمياء حين يتحول الجسد إلى لغة،
ومن التحليل النفسي حين تصبح الاستعارة أعراضا ناطقة،
ومن الأنثروبولوجيا حين نكتشف أن المجتمع والعائلة والحب والفضيلة قد شاركت جميعا في صناعة الإنسان الذي يبحث عن نفسه.
لكن قبل كل هذه المناهج،
حدث شيء آخر ، حدثت القراءة.
والقراءة عندي ليست أن أضع النص على طاولة التشريح، ثم أبدأ بتقسيمه إلى أعضاء.
القراءة الحقيقية عندي أن أترك النص يدخلني أولا ، أن يصيبني ، أن يقلقني.
أن يجعلني أعود إليه بعد أن أغلق صفحته.
أن أسمع جمله في رأسي وأنا بعيد عنه.
أن تظل صورة منه عالقة في الروح كما تعلق شوكة سمكة في يد صياد.
وهذا بالضبط ما فعله بي
نص «من يدلني عليّ؟».
لم يتركني على الشاطئ.
جرني إلى الماء. وكلما تعمقت فيه،
اكتشفت أن السؤال الذي يطرحه الكاتب على ذاته، بدأ يتشكل في داخلي أنا أيضا:
من يدلني عليّ؟
وهنا أدركت أن أعظم النصوص
ليست تلك التي تمنحنا أجوبة،
بل تلك التي تستبدل أسئلتنا
بأسئلة أكثر عمقا.
وهذا النص واحد منها.
لقد اصطادني وديع شامخ
من الجملة الأولى،
وحين حاولت أن أصطاده بالنقد،
وجدتني أنا السمكة،
وكان هو البحر.
لذلك أكتب هذه القراءة
لا بوصفها حكما على النص،
بل بوصفها شهادة قارئ نجا من الغرق
ولم يخرج سالما تماما.
فبعض النصوص نقرأها ثم نغلقها.
وبعضها نقرأها فتفتحنا.
أما هذا النص،
فقد فعل ما هو أبعد:
قرأني وأنا أقرأه.
ومن هنا تبدأ الرحلة…
رحلة البحث عن الأنا التي اختبأت خلف الكومبارس،
وفقدت حنجرتها مع المطرب،
وحاولت الطيران مع العصفور،
ودفنت نفسها في المقبرة،
وخرجت من البيت مثقلة بالعويل،
ثم وقفت في آخر الطريق مثل شحاذ،
تمد يدها لا إلى الناس،
بل إلى الشيء الوحيد الذي لم يعد لها:
روحها.
وهكذا لم يعد السؤال:
من يدلني عليّ؟
بل أصبح:
كيف ضاعت الأنا حتى احتاجت إلى كل هذه الأقنعة كي تعثر على نفسها؟
ــــــــ ???? ــــــــ ???? ــــــــ
???? القراءة النقدية المركبة :
قراءة متعددة الابعاد
● القراءة السايكولوجية :
حين يسأل الإنسان عن نفسه
« من يدلني عليّ؟»
تشظي الذات بين القناع والصوت والصمت
من الناحية النفسية، يبدأ النص من حالة اغتراب داخلي؛ فالذات لا تقدم نفسها مباشرة، بل تختبئ خلف التشبيه.
«مثل كومبارس بليد في مشهد منسي».
الكومبارس هو الإنسان الذي يؤدي دورا في حياة ليست حياته تماما.
إنه موجود داخل المشهد لكنه ليس صاحبه، حاضر لكنه هامشي، يتحرك بأوامر الآخرين ولا يمتلك مركز الحكاية.
ومن هنا يمكن فهم الابتسامة :
« أعرض ابتسامتي
بشفاه متورمة من الألم ».
الابتسامة هنا ليست تعبيرا عن السعادة، وإنما قناع نفسي.
الخارج يبتسم،
والداخل يتألم.
وهذا الانفصال بين الظاهر والباطن يمثل أحد المحاور النفسية المركزية في النص.
فالذات الاجتماعية تؤدي وظيفة،
بينما الذات الحقيقية تختبئ خلفها.
ويزداد الأمر قسوة حين يقول:
«وأدفن وجعي بحفنة دولارات».