الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السياسة.. من يحصل على ماذا ومتى وكيف ؟

بواسطة azzaman

السياسة.. من يحصل على ماذا ومتى وكيف ؟

وصال العزاوي

 

في عام 1936 وسط ازمة الكساد الاعظم وصعود الانظمة الشمولية ، اصدر المفكر الامريكي هارولد لاسويل كتابه ( السياسية : من يحصل على ماذا ؟ ومتى ؟ وكيف ؟) ليقلب الطاولة على كل التعريفات التقليدية لمصطلح السياسة، لم يهتم لاسويل بالدساتير والقوانين بقدر ماأهتم ب « النخبة « التي تمسك بزمام الامور فعليا وبالاساليب الخفية التي تستخدمها للحفاظ على هيمنتها : الدعاية الرمزية والعنف المعلن، والاغراءات المادية ، والتقاليد المؤسسية ... هكذا نظرهارولد لاسويل للعالم بأنه ساحة صراع دائم على القيم النادرة حيث الفائزون لايعلنون عن قواعد اللعبة ابدا ..يرى لاسويل ان السياسة ليست نشاطا مؤسسيا محايدا ، بل هي صراع دائم على القيم الاجتماعية النادرة ( السلطة ، الثروة ، المكانة ، الامن ) ولفهم هذه العملية لابد من دراسة النخبة الحاكمة : كيف تنتخب ؟ وما هي مهاراتها النفسية والاجتماعية ؟ وما الطبقات  التي تعبر عنها ؟ وما الاساليب التي تستخدمها لكسب النفوذ والاحتفاظ به ؟

لعبة سياسية

ويعرف لاسويل النخبة بأنهم « اولئك الذين يحصلون على اكبر قدر مما يمكن الحصول عليه « وذلك من خلال اربع اساليب تستخدمها النخبة لكسب النفوذ والاحتفاظ به والتي تشكل جوهر اللعبة السياسية :

اولا : الرموز : استخدام الخطابة ، الدعاية ، الشعارات والروايات الوطنية لتشكيل الرأي العام واضفاء الشرعية على السلطة ، حيث ترى النخبة الحاكمة ان السيطرة على الرموز هي الاداة الاكثر فاعلية في المجتمعات الحديثة .

ثانيا : العنف : استخدام القوة المادية او التهديد بها كأداة للاكراه ، سواء من قبل الدولة « جيش وشرطة « او الجماعات التنافسية او الجماعات المسلحة .

ثالثا : الماديات : توظيف الموارد الاقتصادية « اغراءات ، هبات ، رشاوى « لكسب الولاء او شراء النفوذ .

رابعا : الممارسات : الاعتماد على التقاليد ، العادات ، الخرافات ، لترسيخ الهيمنة وجعلها تبدو طبيعية .

ورغم مرور قرن على صدور كتاب هارولد لاسويل « السياسة : من يحصل على ماذا ؟

ومتى ؟ وكيف ؟ « ورغم تعرضه لانتقادات عديدة من قبل المدارس السياسية الكلاسيكية والمفكرين سواء من اليسار الذين اعتبروه مبالغا في تبسيط العملية السياسية بأختزالها في صراع نخبوي .. الى جماعة اليمين المحافظ الذين اتهموه بالنزعة الواقعية المفرطة التي تهمل الابعاد الاخلاقية وتشرع للاستبداد ... الا ان الكتاب بقى مرجعا تأسيسيا في نظرية النخبة ودراسة السلطة ،وأرسخ فكرة ان السياسة في جوهرها لعبة نفوذ يمارسها نخبة من المحترفين ، ورغم مرور عقود على نشره ، لاتزال افكاره حاضرة في تحليل الحملات الانتخابية والصراعات الدولية ووسائل الاعلام وحتى في استراتيجيات التسويق السياسي على منصات التواصل الاجتماعي ، بأختصار انه كتاب يجعلك تشك في كل ما تعرفه عن السياسة ، ويدعوك الى النظر خلف الستار .

ومن هنا نجد ان هذا التحليل صالحا لفهم الانظمة السياسية المعاصرة بشكل عام والنظام السياسي في العراق بشكل خاص ، كيف يمكن ان نحد من هيمنة النخب دون ان نقع في فخ الفوضى ؟ بعبارة اخرى من يحكم في العراق ؟

لابد من نافلة القول ان الحالة العراقية انموذج يفرض جملة من الفرضيات التساؤلية تحتاج للبحث والتحليل ، فرضيات تبحث عن اجوبة وسط كومة من التناقضات والفوضى السياسية  والجمود الفكري  ، واذا افترضنا مسبقا وجود اربع او خمس قوالب هكذا نطلق عليها هي التي تحكم متمثل ب ( الدستور / القضاء / الاطار التنسيقي / المجلس السياسي / التحالف الكردي / ادارة الدولة /  )

من يملك القرار الفعلي في العراق، من يملك ادوات القرار ؟ ومن يستطيع تعطيل القرار ؟

ومن يفرض التسويات ؟وهل مازال الدستور هو المرجعية العليا ام ان موازين القوى السياسية والامنية والمذهبية اصبحت تتقدم عليه ؟ هل الدستور هو السلطة القانونية ام المرجعيات التي تتوقف عند حدود التوافق السياسي ؟ وعند التطبيق نجد هناك فارق بين ما ينص عليه الدستور وما يحدث فعليا في تشكيل الحكومات ، انتخاب الرئاسات ، القرارات الســــــــيادية، المحمكة الاتحادية .

بالنسبة للقضاء حقيقة اصبح لاعبا وشريكا مهما في النظام السياسي مابعد الانتخابات الاخيرة وحكما بين السلطات الثلاث ومفاوضا دوليا ومحليا ، اما الاطار التنسيقي فالسؤال الذي يفرض نفسه هل هو تحالف انتخابي ام مركز قرار ؟

مجلس سياسي

هل هو كتلة واحدة ام مظلة لمصالح واتجاهات متعددة ؟ كذا الحال بالنسبة للمجلس السياسي السني هناك تباين بين القيادات البرلمانية والقوى المحلية ، وبين القيادات السياسية واختلاف مصالحها ولم تتوضح علاقته مع الاطار التنسيقي وهل مصلحته في استمرار التوافق ام اعادة توزيع السلطة ؟

اما القوى الكردية فما زالت تدور حول ثلاثية العلاقة مع الحكومة الاتحادية « النفط والموارد ، كركوك ، المصالح الكردية الدستورية « . واخيرا القالب السياسي المسمى ادارة الدولة : من انشأه ؟ ماذا انتج ؟ وهل اصبح بديلا عمليا عن المؤسسات الدستورية ام آلية مؤقتة لتجنب الانسداد السياسي ؟

في العراق لانقول هناك دولة فاشلة وانما دولة مفقودة ، اساسا لم نشهد بناء دولة وانما شهدنا ولادة دكتاتوريات من رحم الدكتاتورية الشمولية ، وتفشي الفوضى والفساد وسادت نخب جديدة متوحشة (مقتبس هذا الوصف من كتاب مجتمع كسيح ونخب متوحشة للمؤلف د. عبد الرحمن الشميري ) نحن نخشى ان يتحول العراق الى ماوصفه د. عبد الرحمن الشميري في حالة اليمن الى مجتمع كسيح مشلول الحركة ومفكك الاوصال منهوك القوى تحت وطأة نخب جديدة « متوحشة « اغتنمت الفرصة في ظل الحرب والصراعات لتكرس الفساد وتعمق الفقر وتدير حرب خدمات موجهة لاذلال المواطن وكسر ارادته.

ويستعين د. عبد الرحمن الشميري بنظرية الصدمة لفهم كيفية تدمير الشعوب عبر الازمات المتتالية ، انهيار الدولة والخدمات / انهيار المنظومة الاخلاقية / دور النخب اللاعـــــــــقلانية في تعميق هذا الانهيار .

حقيقة ان مراجعتي لكتاب هارولد لاسويل تكشف ان السياسة ليست نخبوية فقط بل هي حرفة تستند الى ادوات نفسية واتصالية يمكن دراستها وتفكيكها ، علم السياسة يمكن ان يكون تأمليا (فهم الواقع او فن الممكن) او تلاعبيا ( التأثير فيه ) ، وفهم السلطة بعيدا عن المثالية الساذجة او الشكلية القانونية ، بعبارة ادق ان السياسة في جوهرها لعبة نفوذ يمارسها نخبة من المحترفين ومن يرغب في فهمها او تغييرها عليه ان يدرس ادواتهم واساليبهم وتكون متأكدا انهم سيعيدون انتاج سيطرتهم بأدوات جديدة تحت مسميات حديثة .

 

 استاذة النظم السياسية والسياسات العامة

 


مشاهدات 43
الكاتب وصال العزاوي
أضيف 2026/09/19 - 4:12 PM
آخر تحديث 2026/09/20 - 12:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 15 الشهر 33091 الكلي 16565611
الوقت الآن
الأحد 2026/9/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير