حين يُهدَم السجن وتبقى وظيفته سالمة
كفاح محمود
طالبنا بإزالة سجن أبو غريب وتحويله إلى حدائق ومسارح، فاستُجيب للمطلب، وقيل لنا إنّ ما سيقوم مكانه أعظم وأكثر تنوّعاً في أنشطته. والمشهد في ظاهره انتصارٌ للعقل على الجدار، لكنّ الذاكرة تعترض على هذه الطمأنينة.
حين انقلب عبد الكريم قاسم على النظام الملكي عُدّ فتحُه بعض السجون من منجزات ثورته. وكرّر البعث الطقس نفسه حين جاء، ثم كرّرته سلطة ما بعد 2003. تُفتتح الشرعيات الجديدة بإطلاق سجناء السلطة السابقة، وهي عتبة رمزية رخيصة الكلفة عالية العائد، تُحوّل لحظة الاستيلاء على الحكم إلى مبتدأ أخلاقي. غير أنّ الحصيلة التراكمية معروفة: أُزيلت نكرة السلمان، وأُغلق قصر النهاية، ثم جاءت الرضوانية وما بعدها، حتى صرنا أمام مئات المعتقلات والسجون السرّية، ومعتقلات الفصائل المسلّحة التي لا تُنسب إلى دولة أصلاً. وهذا تحوّل نوعي لا كمّي: انتقل الاحتجاز من احتكار الدولة له إلى توزيعه على جهات متعدّدة، فصارت الضحية بلا عنوانٍ تشكو إليه، وصارت المسؤولية موزّعة إلى حدّ التبخّر.
المسألة اجتماعية قبل أن تكون عمرانية. السجن، في التحليل الاجتماعي، ليس بناءً بل وظيفة، والوظيفة لا تسقط بالجرّافة لأنها لا تسكن الطابوق. ما يجعل مكاناً معتقلاً ليس سُمك جداره، بل قدرة السلطة على احتجاز إنسان خارج نصٍّ قابل للمراقبة. وحين تبقى هذه القدرة سليمة تتكفّل هي باستئجار العنوان الجديد، وتُعين اللغةُ على ذلك: كلّما لطُف الاسم — مركز، دار، مضافة — اتّسع ما يمكن أن يُرتكب تحته من دون أن يُسمّى.
رسالة موجّهة
ثمّ إنّ لهذه الأماكن، في الدول التي قامت على الخوف، وظيفة تتجاوز حبس المخالف: إنها رسالة موجّهة إلى من لم يُحبَس بعد. لذلك كانت أسماؤها تُعرف من دون إعلان وتُتداول همساً، لأنّ فاعليتها مشروطة بمعرفة الناس بوجودها وجهلهم بما يجري داخلها في آنٍ واحد. وهذه المعادلة — شهرةٌ في الاسم وعتمةٌ في التفصيل — لا تحتاج إلى المبنى كي تستمر، بل إلى بقاء الجهاز القادر على صناعة الصمت.
وفي نهاية هذا المسار تتحرّر الوظيفة من المبنى كلّه، فيبلغ التغييب القسري صورته الصافية: لا جدار ولا سجل ولا اسم، وعشرات الآلاف بلا قبور معروفة، كما جرى في الأنفال. هنا يصبح الهدم بلا معنى، لأنّ ما ينبغي هدمه لم يعد له عنوان يُهدَم.
وليست هذه خصوصية عراقية. سجون باتيستا في كوبا، والمعتقلات الستالينية في روسيا، وسجون تيتو، وزنازين تشاوتشيسكو، ومعسكرات كوريا الشمالية، قامت كلّها على الإعلان ذاته: جئنا لنغلق ما بناه من سبقنا.
وفي الطبقة النفسية يعمل الهدم عمل الطقس. إنه إزاحة بالمعنى الدقيق: نقل العَرَض من موضعه مع إبقاء سببه سليماً، فيهدأ القلق من دون أن يُعالَج مصدره. والركام يوزّع براءة رخيصة على الجميع: الضحية تحسب أنّها أُنصفت، والجهاز يحسب أنه غُفر له، والجمهور يقتنع بأنّ زمناً قد طُوي.
تصديق رمزي
وهنا يقع اختبار النخبة الواعية من الأدباء والفنانين والمفكرين. فالطقس لا يكتمل بالجرّافة وحدها، بل بمن يمنحه لغته وصـــــــــــــورته وقصيدته؛ ومن دون هذا التصديق الرمزي يبقى الهدم عملاً إدارياً لا معنى له.
والمطالبة بالإزالة مشروعة، لكنها حين تتوقف عند الشكل تتحوّل إلى خدمة مجانية: تمنح السلطة لحظة تطهير علنية، وتترك لها وحدها تعريف ما وراء الجدران. وكثيراً ما يُستدرَج المثقف بحجّة مقنعة: أنّ نقد اللحظة الجديدة خدمةٌ لماضٍ أسوأ، فيصمت عن الصلاحية خوفاً من تهمة الحنين. وبذلك يخسر موقعه الوحيد المفيد: موقع من يسأل عن الصلاحية لا عن الواجهة.
وفي التجارب المقارنة قاعدة تكاد تكون ثابتة: المجتمعات التي اكتفت بإغلاق المعتقل عادت إليه بأسماء أخرى خلال جيل، والمجتمعات التي صادرت صلاحية الاحتجاز التعسّفي لم تعد بحاجة إلى هدم شيء، حتى صار المبنى نفسه متحفاً يُدرَّس فيه ما جرى بدل أن يُمحى.
لذلك فإنّ المقياس ليس ما سيُقام فوق أرض أبو غريب، بل أسئلة من نوع آخر: هل يعرف ذوو الموقوف مكانه خلال ساعات؟ هل بقيت أماكن احتجاز لا يدخلها قاضٍ ولا يضبطها سجل؟
من يملك حقّ التوقيف خارج القضاء، ومن يحاسبه حين يتجاوز؟ الحديقة فوق ركام سجن عملٌ جميل، لكنها لا تصبح ضماناً إلا إذا هُدم معها الاستثناء الذي جعل السجن ممكناً.
الجدران لا تصنع الاستبداد، بل تحفظ آثاره.
وما دامت الفكرة سالمة فإنها ستبحث عن مكان جديد تسكنه، وقد تجده حيث لا مكان أصلاً.