الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تقترب عقارب الساعة من الإستدامة

بواسطة azzaman

حين تقترب عقارب الساعة من الإستدامة

أكرم سالم

 

في كل صباح تمضي عقارب الساعة بهدوء، بينما تمضي البيئة في اتجاه آخر أكثر قلقًا. مدن تتسع، واستهلاك يتضاعف، وموارد تنحسر بصمت، وكأن العالم يعيش سباقًا محموما لا يملك محطة للتوقف فيه. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه ليس إلى أين يتجه الزمن، بل إلى أين يأخذنا ما نفعله خلاله. اذ لم تعد البيئة قضية منفصلة عن تفاصيل الحياة. الهواء الذي يدخل البيوت، والماء الذي يصل إلى الصنابير، والمساحات الخضراء التي تختفي من المشهد الحضري ولاسيما من مدينتنا المعمورة بغداد التي اصبحت مكتضة بشكل محموم مع  بالغ الاسف واخذت مساحاتها الخضراء تنزوي  وتنزوي يوميا  ازاء جشع الاستثمار السكني وغيره ، كلها أصبحت جزءًا من معادلة يومية تكشف شكل العلاقة بين الإنسان ومحيطه. وفي خلفية هذه المشاهد تقف مسؤولية مجتمعية لا تحتاج دائمًا إلى قرارات كبرى؛ إذ تبدأ أحيانًا من سلوك صغير يتكرر ملايين المرات.المشكلة أن أثر السلوك الفردي لا يظهر في اللحظة نفسها. قطعة بلاستيكية تُلقى في شارع قد تبدو حدثًا عابرًا، واستهلاك زائد للماء قد لا يلفت الانتباه، وشجرة تُزال  واخرى تقتلع من الجذور  بلا رحمة قد تُنسى سريعًا. لكن الزمن يجمع هذه التفاصيل الصغيرة، ويحوّلها إلى نتائج كبيرة يصعب تجاهلها. هكذا تعمل البيئة: لا تعاقبنا فورًا، وإنما تحتفظ بذاكرة طويلة لما نفعله بها.

ومن هنا تبدو المواطنة البيئية أكثر من مجرد التزام بالتعليمات. إنها وعي بأن المكان العام ليس مكانًا بلا صاحب، وأن الموارد الطبيعية ليست ملكًا للحاضر وحده. فالمواطن الذي يستهلك بوعي، ويحافظ على النظافة، ويقلل الهدر، ويدعم الخيارات المستدامة، يشارك بصورة غير مباشرة في رسم ملامح مدينة الغد.

أما الاستدامة، فلا تعني إيقاف عجلة التنمية، بل تغيير طريقة دورانها؛ أن يتقدم الاقتصاد دون أن يتراجع الهواء او الماء، وأن تتوسع المدن دون أن تضيق مساحة الطبيعة، وأن يحصل جيل اليوم على حاجاته دون أن يترك للأجيال القادمة إرثًا من النقص والتلوث.

فالوقت هنا ليس مجرد وحدة لقياس الأيام والساعات، بل اختبار حقيقي للمسؤولية. وكل دقيقة تمر تمنح الإنسان خيارًا: أن يواصل الاستهلاك بلا حساب، أو أن يعيد النظر في أثر خطواته..

فالساعة لا تتوقف انتظارًا لوعينا، والبيئة لا تمنحنا زمنًا إضافيًا.. وما نتركه للغد لن يكون كلماتنا، بل العالم الذي صنعناه ونصنعه بأيدينا اليوم.

استاذ الادارة الاستراتيجية ونظم المعلومات


مشاهدات 24
الكاتب أكرم سالم
أضيف 2026/09/13 - 3:01 PM
آخر تحديث 2026/09/14 - 1:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 103 الشهر 22456 الكلي 16554976
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير