الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الملاذ غير المشروع.. حين يتحول المال إلى صوت انتخابي

بواسطة azzaman

الملاذ غير المشروع.. حين يتحول المال إلى صوت انتخابي

علي عامر خلفة

 

تُقاس نزاهة الانتخابات، في جوهرها، بمدى حرية الناخب في اتخاذ قراره بعيداً عن الإكراه أو التأثير غير المشروع. فالصوت الانتخابي ليس مجرد ورقة توضع في صندوق، وإنما هو تعبير عن إرادة المواطن في اختيار من يمثله في مؤسسات الدولة. ومن هنا فإن أي محاولة لتحويل هذا الصوت إلى مقابل مالي أو منفعة مادية تمثل مساساً مباشراً بجوهر العملية الديمقراطية.وتأتي ظاهرة شراء أصوات الناخبين في مقدمة الممارسات التي تهدد سلامة الانتخابات، لكونها تنقل المنافسة من ميدان البرامج والأفكار والقدرة على إقناع الناخب، إلى ميدان القدرة على الإنفاق واستثمار الحاجة الاقتصادية لبعض المواطنين. والخطورة هنا لا تكمن في المال ذاته، وإنما في الغاية التي يُستخدم من أجلها، عندما يتحول إلى وسيلة للتأثير في إرادة الناخب وتوجيه اختياره.وقد عالج المشرع العراقي هذه المسألة بنص خاص، إذ جرّمت المادة (37/ثانياً) من قانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية رقم (12) لسنة 2018 المعدل، فعل إعطاء أو عرض أو الوعد بإعطاء الناخب فائدة لنفسه أو لغيره لحمله على التصويت على وجه معين أو الامتناع عن التصويت، ورتبت على ذلك عقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة. كما أكدت المحكمة الاتحادية العليا في قرارها المرقم 73 وموحداتها/اتحادية/2023 أهمية بقاء هذا التجريم ضمن المنظومة القانونية الناظمة للعملية الانتخابية.وتبرز أهمية النص في أنه لم يحصر التجريم في حالة تسليم المال فعلاً، بل شمل الإعطاء والعرض والوعد، وهو اتجاه تشريعي يكشف عن رغبة المشرع في التدخل قبل اكتمال الأثر الانتخابي للجريمة، لأن مجرد محاولة التأثير في إرادة الناخب بالطريق الذي حدده القانون تمثل خطراً على حرية الاختيار.ومن الناحية القانونية، فإن التكييف الصحيح للفعل ينبغي أن ينطلق من النص الخاص، فلا يكفي وصف الواقعة بأنها «رشوة» بالمعنى المتداول، وإنما ينبغي التحقق من توافر عناصر الجريمة الانتخابية التي حددها القانون. فوجود المال وحده لا يجعل الإنفاق الانتخابي جريمة، وإنما العبرة بالغرض منه وطريقة تقديمه ومدى ارتباطه بتوجيه تصويت الناخب.وهنا ينبغي التفريق بين الإنفاق الانتخابي المشروع وبين المال الانتخابي غير المشروع. فمن الطبيعي أن ينفق المرشح على حملته ضمن الحدود التي يسمح بها القانون، وأن يستخدم الوسائل الدعائية للتعريف ببرنامجه وشخصه. لكن الأمر يختلف عندما تنتقل المنفعة من التعريف بالمرشح إلى محاولة شراء موقف الناخب، أو عندما يصبح المال مقابلاً مباشراً أو غير مباشر لصوته.ولا تقف خطورة هذه الظاهرة عند حدود العلاقة بين المرشح والناخب، بل تمتد آثارها إلى المجتمع والدولة. فالمرشح الذي يصل إلى موقع عام عبر إنفاق غير مشروع يواجه، من الناحية الواقعية، بيئة سياسية مختلفة عن المنافسة الطبيعية؛ إذ يصبح المال عاملاً مؤثراً في صناعة القرار الانتخابي، ويضعف مبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافسين.كما أن شراء الأصوات يضع المواطن نفسه أمام اختبار صعب. فقد يرى البعض في المبلغ الذي يحصل عليه منفعة آنية تعالج حاجة طارئة، إلا أن الأثر السياسي للصوت يمتد إلى سنوات، ويتعلق باختيار من يمارس سلطة عامة ويتخذ قرارات تمس حياة المواطنين ومصالحهم. ولهذا فإن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون مسؤولية المرشح والجهات الرقابية وحدها، بل تتطلب وعياً قانونياً ومجتمعياً لدى الناخب أيضاً.وتزداد صعوبة هذه الجرائم من ناحية الإثبات عندما تتم بصورة غير مباشرة، من خلال وسطاء أو شبكات من الأشخاص، أو تحت عناوين ظاهرها اجتماعي أو خدمي بينما يكون الهدف الحقيقي منها التأثير في التصويت. وهنا تبرز أهمية دور المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والجهات الرقابية والقضائية في التعامل مع الشكاوى والأدلة وفق الأطر القانونية، وعدم الاكتفاء بالانطباعات أو الاتهامات غير المدعومة بالأدلة.إن مكافحة المال الانتخابي غير المشروع لا تحتاج إلى نصوص عقابية فحسب، وإنما تحتاج أيضاً إلى رقابة فعالة على مصادر تمويل الحملات وأوجه الإنفاق، وإلى سرعة التعامل مع البلاغات والشكاوى، فضلاً عن تعزيز قدرة الجهات المختصة على تتبع الأموال والوسطاء الذين قد يستخدمون لتنفيذ عمليات شراء الأصوات.ومن المهم كذلك أن تكون هناك رقابة حقيقية على الحدود الفاصلة بين النشاط الانتخابي المشروع والممارسة التي تتحول إلى تأثير غير مشروع في إرادة الناخب. فالمشكلة ليست في أن ينفق المرشح على حملته، وإنما في أن يصبح الإنفاق وسيلة لإضعاف المنافسة العادلة أو شراء الإرادة الانتخابية.إن الانتخابات النزيهة لا تعني فقط وجود صناديق اقتراع وإجراءات تصويت وفرز وإعلان للنتائج، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، من البيئة التي يدخل فيها الناخب إلى العملية الانتخابية وهو يمتلك حرية الاختيار. فإذا دخل المال على خط هذه الإرادة بصورة غير مشروعة، فإن الخلل لا يصيب ورقة الاقتراع وحدها، بل يصيب الثقة بالعملية الانتخابية برمتها.وفي النهاية، فإن مواجهة شراء الأصوات ينبغي أن تقوم على معادلة واضحة: قانون يجرّم، ورقابة تكشف، وقضاء يحاسب، وناخب يدرك قيمة صوته. فالصوت الذي يُباع بثمن مؤقت قد تكون كلفته على المجتمع أكبر بكثير من قيمة المال الذي دُفع مقابله.

ولذلك فإن حماية الانتخابات من المال الانتخابي غير المشروع ليست قضية انتخابية عابرة، وإنما هي دفاع عن حق المواطن في أن يكون صوته نابعاً من إرادته، وعن حق المجتمع في أن تتشكل سلطته العامة من خلال الاختيار الحر، لا من خلال القدرة على شراء الأصوات.

م.م. علي عامر خلفة

 


مشاهدات 38
الكاتب علي عامر خلفة
أضيف 2026/09/19 - 12:51 PM
آخر تحديث 2026/09/20 - 12:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 75 الشهر 33151 الكلي 16565671
الوقت الآن
الأحد 2026/9/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير