الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إنسحاب أمريكا.. بداية مرحلة خطيرة للعراق

بواسطة azzaman

إنسحاب أمريكا.. بداية مرحلة خطيرة للعراق

كردستان المزوري

 

ليس كل انسحاب عسكري يعني أن المهمة انتهت وليس كل خروج من بلد يعني أن الخطر أصبح أقل، أحيانا يكون توقيت الانسحاب أهم من الانسحاب نفسه خصوصا عندما يحدث في منطقة لم تستقر فيها موازين القوى بعد ومن هنا فإن قرار الولايات المتحدة تقليص وجودها العسكري في العراق جعلني أتساءل: هل اختارت واشنطن التوقيت المناسب للخروج؟

برأيي التوقيت مقلق جدا وخصوصا بالنسبة إلى إقليم كوردستان، أنا لا أعتقد أن العراق يجب أن يبقى إلى الأبد تحت حماية القوات الأميركية ولا أن مستقبل كوردستان يجب أن يعتمد على وجود قوات أجنبية لكن هناك فرق بين انسحاب مدروس يأتي بعد بناء منظومة أمنية وسياسية متماسكة وبين خروج يحدث في  وقت ما زالت فيه المنطقة تعيش صراعات مفتوحة وما زالت ملفات كثيرة داخل العراق لم تحسم، العراق اليوم ليس بلدا يعيش أزمة أمنية واحدة يمكن التعامل معها بسهولة هناك خطر الإرهاب وهناك فصائل مسلحة ذات نفوذ سياسي و عسكري و هناك تنافس إقليمي وهناك ملفات عالقة بين بغداد و أربيل إضافة إلى التوترات الكبيرة التي تشهدها المنطقة و في وسط هذه الصورة يأتي الانسحاب الأميركي.

قد يسأل البعض: لماذا يخشى الكورد خروج القوات الأميركية؟ أليس من الطبيعي أن يعتمد العراق على نفسه؟

نعم، الاعتماد على النفس هو الهدف الصحيح لكن السياسة والأمن لا يقومان على الأمنيات وجود الولايات المتحدة في العراق لم يكن عسكريا فقط بل كان يمثل أيضا عامل ردع سياسي و أمني و وجود واشنطن كان يجعل أي جهة تفكر في التصعيد تعرف أن هناك قوة دولية كبيرة موجودة و يمكن أن يكون لها موقف و تأثير.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا سيحدث بعد خروج القوات الأميركية؟

والسؤال الأخطر: من سيملأ الفراغ الذي قد يتركه هذا الخروج؟

الفراغ في السياسة والأمن هناك من يحاول استغلاله وكلما كانت الدولة غير قادرة على فرض سيطرتها الكاملة زادت فرصة القوى الأخرى في توسيع نفوذها و هذا تحديدا ما يجب أن يقلق الكورد.

اقليم كردستان ليست بعيدة عن الخطر

لقد استطاع خلال السنوات الماضية بناء مؤسسات سياسية وأمنية مهمة وأثبتت البيشمركة أنها قوة أساسية في مواجهة داعش لكن الجغرافيا تفرض على الكورد أن يكونوا أكثر حذرا.

كوردستان تقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح دول وقوى عديدة وهي جزء من العراق ولها حدود مع دول إقليمية مؤثرة كما أن المناطق المحيطة بها شهدت خلال السنوات الماضية نشاطا إرهابيا وهجمات بالطائرات المسيرة و الصواريخ ولهذا فإن الأمن الكوردي لا يمكن فصله عن الأمن العراقي والإقليمي.

الولايات المتحدة كانت جزءا مهما من هذه المعادلة خصوصا خلال الحرب على داعش وفي تدريب وتسليح و دعم البيشمركة و في التعاون الاستخباري و الأمني لقد قدمت البيشمركة تضحيات كبيرة وسقط منها شهداء كثيرون في الحرب ضد الإرهاب و لذلك من الطبيعي أن يكون للكورد قلق حقيقي بشأن المرحلة التي ستأتي بعد الانسحاب.

أكثر ما يثير القلق هو أن يتم الانسحاب الأميركي بينما لا تزال قضية السلاح خارج مؤسسات الدولة غير محسومة بالكامل، العراق يحتاج إلى دولة قوية و الدولة القوية هي التي يكون قرار الحرب والسلم فيها بيد مؤسساتها الرسمية لكن إذا خرجت الولايات المتحدة ولم تكن الدولة العراقية قد وصلت إلى مرحلة فرض هذا التوازن فقد نشهد اختلالا هذا لا يعني أن الكورد يريدون عراقا ضعيفا بل العكس. مصلحة الكورد هي في عراق قوي ومستقر يحترم الدستور ويحمي حقوق جميع مكوناته و يكون فيه السلاح تحت سيطرة الدولة لكن قوة العراق لا تعني أن تصبح قوة طرف ما أكبر من قوة الدولة نفسها.

ماذا عن البيشمركة؟

هنا يجب أن يكون للكورد موقف واضح، إذا كانت الولايات المتحدة ستقلل وجودها العسكري، فهذا لا يعني أن ينتهي التعاون مع البيشمركة بل يجب أن يتحول التعاون إلى مرحلة جديدة: تدريب متقدم دعم استخباري تجهيز حديث تطوير القدرات الدفاعية و مساعدة البيشمركة على بناء مؤسسة عسكرية أكثر قوة و مهنية.

و الأهم هو توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية الكوردية هذه ليست مسألة حزبية، و إنما قضية أمن قومي الكورد بحاجة إلى قوة موحدة تستطيع حماية الإقليم و التعامل مع الإرهاب و مواجهة التهديدات الجديدة بما فيها الطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية و الهجمات بعيدة المدى.

لا تنتظروا الخطر حتى يبدأ

السياسة الناجحة لا تنتظر الأزمة حتى تقع إذا كانت و اشنطن مصممة على الانسحاب فعلى القيادة الكوردية أن تتحرك قبل اكتماله، لا بعده، يجب أن تكون هناك ضمانات واضحة لاستمرار الدعم الأميركي للبيشمركة واستمرار التعاون الاستخباري و الحفاظ على العلاقات السياسية و العسكرية بين واشنطن وأربيل.

 

كما يجب تعزيز العلاقات مع الدول الأوروبية و الدول المؤثرة في المنطقة حتى لا تكون كوردستان مرتبطة بطرف دولي واحد و في الوقت نفسه يجب أن يستمر الحوار مع بغداد، الكورد لا يحتاجون إلى مواجهة بغداد بل يحتاجون إلى تفاهم حقيقي معها لأن أفضل ضمان لأمن العراق و كوردستان هو وجود دولة اتحادية قوية تحترم الدستور و تلتزم بالاتفاقات.

 

أميركا يجب ألا تترك فراغا

 

واشنطن من حقها أن تعيد ترتيب أولوياتها و من حقها أن تقلل قواتها عندما ترى أن الظروف تسمح بذلك لكن الولايات المتحدة تعرف جيدا أن العراق ليس ملفا منفصلا عن المنطقة، العراق يقع في قلب صراع إقليمي واسع و أي فراغ فيه لن يبقى عراقيا فقط بل يمكن أن تتحرك فيه قوى إقليمية ودولية أخرى لذلك إذا كانت أميركا ستخرج عسكريا فيجب ألا يعني ذلك خروجها سياسيا وأمنيا و يمكن لواشنطن أن تقلل قواتها لكنها تستطيع أن تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع العراق و على دعمها للبيشمركة و على حضورها الدبلوماسي و على قدرتها على التدخل السياسي عندما يكون أمن العراق وكوردستان مهددا.

 

كلمتي ألاخيرة

أنا لا أرى أن المشكلة هي في مبدأ انسحاب القوات الأميركية من العراق و إنما في التوقيت و الظروف و الضمانات التي سترافق هذا الانسحاب لأن المنطقة تمر بمرحلة حساسة جدا و موازين القوى تتغير بسرعة و ملفات كثيرة لا تزال مفتوحة و لهذا فإن خروج أميركا الآن قد يكون خطرا كبيرا إذا أدى إلى فراغ أمني و سياسي خصوصا إذا لم تكن هناك ضمانات واضحة تمنع استغلال هذا الفراغ ضد العراق أو إقليم كوردستان.

 

الكورد لا يريدون حماية دائمة من الأخرين و إنما يريدون شراكات قوية تساعدهم على بناء قوتهم الذاتية و لقد أثبتت البيشمركة أنها قادرة على الدفاع عن أرضها لكن الأمن في عالم اليوم لا يعتمد على الشجاعة وحدها بل يحتاج إلى مؤسسات قوية و استخبارات و تسليح حديث و دفاع جوي و علاقات دولية متوازنة لذلك يجب أن تكون الرسالة واضحة: إذا خرجت أميركا فلا ينبغي أن يخرج معها الردع و إذا انسحبت القوات فلا ينبغي أن تنسحب الشراكة، أما إذا حدث الانسحاب وترك وراءه فراغا تستغله القوى المسلحة والإقليمية فإن العراق و كوردستان قد يدفعان ثمنا كبيرا في المستقبل لأن السياسة الذكية هي التي ترى الخطر قبل أن يصل إلى أبوابها، لا التي تبدأ بالبحث عن الحل بعد وقوعه.


مشاهدات 21
الكاتب كردستان المزوري
أضيف 2026/09/14 - 3:45 PM
آخر تحديث 2026/09/15 - 2:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 254 الشهر 24384 الكلي 16556904
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير