ريم كبة تحب لون التركواز وتقول : أستبدل القنبلة بقبلة وأسقط الراء من الحرب فينمو الحب
عمان – مجيد السامرائي
ريم قيس كبة إمرأة تشبه بغداد حين تهدأ بعد ضجيج طويل في صوتها شيء من الحنين وفي حضورها شيء من الضوء الذي لايحتاج لكي يعلن عن نفسه ..
لقد فرضت عليها الهجرات المتتالية أن تؤثث عدة بيوت، وأن تزرع الخضرة في نوافذ أكثر من عاصمة، وأن تبدأ بتجميع مكتبتها مرة بعد مرة من جديد، من جديد! لا أحد سوى المكتوين بنار الأدب يعرف لوعة فقدان المكتبة الأولى.
تضيف الى ماتقدم انعام كجه جي(هذه ريم- الان وهي في لندن - بقامتها النحيلة، بنظارتها، ببحة صوتها، بحركات يديها، بالفضة والفيروز في جيدها ومعصميها وأناملها. تبدو ريم وكأن من السهل أن يرسمها فنان، لكنها تبقى السهل الممتنع على التقديم).
وفي حلقة سابقة من (اطراف الحديث ) على قناة (الشرقية) كان معها هذا الحوار:
□ أنتِ تركواز، ما حكايتكِ مع هذا اللون؟
- أحب اللون، لا أكثر. بدأت علاقتي بالتركواز عام 1999 أو 2000 تقريبًا، ثم اكتشفت أن بعض المطالعات تقول إنه يحفّز الخلايا الإبداعية. وبعد سنوات من عشقي له، اكتشفت أن الفيروز هو حجر البرج الخاص بي، فأحببته أكثر. لكن في الأساس أحببت لونه.
وفي إحدى قصائدي أقول:صباحٌ لفيروزنا، وصباحٌ يعيش له الآخرون، لنا صبحُنا، ولهم كلُّ ما يشتهون.
□ وما أجمل مساء عشته في حياتك؟
- المساءات البغدادية كلها جميلة.
□ كنتِ تمشين كثيرًا في بغداد؟
- طبعًا. كنت أصرّ على أن أكتشف بغداد من الداخل. كان السفر ممنوعًا، فبدلًا من أن أسافر خارج البلد، بدأت أسافر داخل البلد. كنت أمشي من المستنصرية أو باب المعظم إلى مناطق أخرى، وأحيانًا أمشي ساعتين ونصفًا أو ثلاث ساعات.أنا من المشّائين بامتياز. حتى بعد أن أصبت بكسر في رجلي، سألت الطبيب: (شوكت أقدر أمشي؟) فقال لي: (كلما تمشين أكثر، سترجع رجلك مثل ما كانت)، أنا أحب المشي، وأحب الطيران أيضًا.
□ وأنتِ في لندن، أين تجدين بغداد؟
- لندن لم تعد مدينة الضباب كما كانت تسمّى. أما بغداد، فالعجيب أن العراقيين حين يدخلون لندن يجدون شبهًا كبيرًا بينها وبين بغداد، حتى في نهرها.
□ حتى التايمز يشبه دجلة؟
- نعم، رغم أنه لا يكون مثل دجلة. نحن ننتمي إلى دجلة بأرواحنا، ولذلك نحاول أن نجد ما يشبهه أينما ذهبنا. حين عشت في القاهرة حاولت أن أشبّه النيل بدجلة، وفي لندن حاولت أن أشبّه التايمز به.أنا وُلدت على شاطئ دجلة، ولذلك سأبقى مخلوقة على الشاطئ أينما ذهبت.
□ وهل بقيت أغاني الأطفال والأهازيج الشعبية في ذاكرتك؟
- أحب أغاني الأطفال وكتبت لهم كثيرًا، وعندما درست أدب الأطفال اكتشفت أن كثيرًا من الكلمات التي نحفظها من التراث ليست لها معانٍ محددة بالضرورة، وإنما تُقال للنغم والإيقاع.
هذه الأهازيج تراث مسموع ومحفوظ، وحتى عندما تُكتب تبقى محافظة على روحها. جدّاتنا علّمننا إياها، ولذلك نحافظ عليها لأنها جزء من الذاكرة الشعبية.
لغة عربية
□ وأطفالكِ، ماذا كنتِ تفعلين كي يناموا؟
- كنت أقرأ لهم (مرينة بيكم حمد)، وكنت أحرص على كل ما يجعل آذانهم تتشرّب اللغة العربية، واللغة العراقية تحديدًا. أما الآن فقد كبروا، وهم الذين لا يتركونني أنام.
□ هل شعرتِ بالغربة في لندن؟
- لندن حميمة بالنسبة لي؛ فقد قضيت جزءًا من طفولتي فيها، ولذلك لم أشعر بالغربة. وهي مدينة كوزموبوليتية تستطيع أن تجد فيها كل ما تريد. هناك جاليات عراقية كثيرة، ونشاطات ثقافية ومسارح ومعارض، وأنا ثقافتي باللغتين العربية والإنكليزية، لذلك اندمجت فيها بسهولة.
□ لكن ما الذي أوجعكِ في لندن؟
- النخيل. لا يوجد نخيل مثل نخيلنا. والدي يزرع نخلة أينما يذهب، ولدينا ثلاث نخلات في البيت. برحي وزهدي، حسب ما أذكر، وأنا لم أستقر في بيتي حتى الآن لأزرع النخلة، لكننا دائمًا نزرعها ونسقيها ونكبّرها، ونتمنى أن تكون مثلما كنا نزرعها في بغداد.
□ قلتِ (شبوي) في إحدى قصائدكِ. ما قصة هذه الكلمة؟
- (شبوي) اسم القصيدة، والشبوي هو مسك الليل، أو ما يسمّى (ملكة الليل). شممت رائحته مرة في القاهرة، فجُننت به، فأخذت منه وزرعته في بيتي. إنه عطر حدائقنا البغدادية، ولذلك صار جزءًا من ذاكرة المكان.
□ إذن نوستالجيا العراقي ليست طعامًا فقط؟
- أكيد. العراقيون يقولون إن نوستالجياهم أكل فقط، لكنها ليست كذلك؛ إنها كل شيء: رائحة، وشجرة، وأغنية، وشارع، وبيت.
- ومن أين جاءت تسمية (كبة) في عائلتكم؟
هناك أكثر من رواية. يقال إن أجدادي بنوا خانات كثيرة في العراق لاستراحة المسافرين، وكانوا يصنعون الكبة للعمال في خان النص، فقيل إن التسمية جاءت من ذلك.
وهناك رواية أخرى عن شاعر جاهلي اسمه قيس كبة، سُمّي باسم فرسه (كبة). لذلك لا أدري من أين جاء الاسم بالضبط.
قَيْس كُبَّة(قيس بن الغوث بن أنمار، من بني بجيلة، من كهلان: جدُّ جاهلي. أضيف اسمه إلى فرس له اسمها « كبة « فعرف بها هو ونسله. قال الراعي يهجوهم: قُبيِّلة من « قيس كبة « ساقها ... إلى أهل نجد لؤمها وافتقارها)المعروف أن أصول العائلة من ربيعة، وأنهم سكنوا بغداد منذ مئات السنين، وسكنوا في (بستان كبة)، الذي امتد في مناطق واسعة من بغداد.
- وبيت جدكِ ما زال قائمًا؟
نعم، ما زال في مكانه نفسه، بالبناء نفسه، وكل شيء فيه كما هو.
- هل ظهرت نوستالجيا المكان في دواوينك؟
كل شيء ظهر في دواويني. بغداد كلها بداخلي، تمشي في دمي. وبغداد العراق كلها معي، من الجنوب إلى الشمال. أحفظ الأغاني التراثية، وحفّظت أولادي كثيرًا منها.لكنني لا أريد أن أتعامل مع هذا بوصفه بكائية على الماضي. أنا أميل إلى تفاؤل العزيمة وتفاؤل العاطفة أكثر من تشاؤم العقل.
- وماذا عن سنوات الحصار؟
خلال الحصار دُعيت إلى الأردن للمشاركة في مهرجان شعري، وكان الحصار شديدًا ومؤلمًا، وكانت أخبار أطفال العراق والوفيات تصلنا ونعيش وجعها.
أنا دائمًا أقول إنني (أقارع القبح بالجمال، وأقارع الحقد بالحب). كنت أنتظر دوري على المنبر، وكان أحد الشعراء قد تحدث قبلي عن دم العراق والثأر وبكاء القاع، فضجّت القاعة بالتصفيق، لأنهم كانوا يتوقعون أن تصعد شاعرة عراقية لتبكي وتتحدث عن الجرح.
صعدت إلى المنبر وقلت لهم: (أنا أحب بلدي، لكنني أكره الدم، وأكره القنابل. أنا هاربة منها، وهاربة من الجوع، وعندي قصائد حب جئتكم لأسمعكم إياها).فجأة تحولت القاعة كلها إلى حب وفراشات ونوارس.وليس لأنني مترفة؛ فما من عراقي إلا وقد عانى. عشت الحروب، ولم أخرج إلا عندما بدأت أخشى على أطفالي، وعلى ذهابهم إلى المدارس وعدم عودتهم.لكننا نبقى متفائلين ونحب الحياة. أنا مصرّة على أن كل لحظة جديرة بأن تُعاش. أستبدل القنبلة بقبلة، وأسقط الراء من الحرب، فينمو الحب كما العشب.
-هل تعودين بالخيال إلى بغداد؟
أنا لم أترك بغداد لكي أعود إليها بالخيال أو بالحقيقة. بغداد عايشة وياي.
-وأين عشتِ في بغداد؟
وُلدت على ضفة النهر في كرادة مريم، ثم سكنّا الصليخ، وعشنا في العرصات، وبعد الزواج عشت في الجادرية، قريبًا جدًا من الشاطئ. وأينما أذهب، أبحث عن الشاطئ لأجلس إلى جواره.
- وماذا عن (الخرزة الزرقاء)؟
أنا كنت خرزة زرقاء، رغم أنني لا أؤمن بالحسد. أعتقد أن الحسد نحن الذين نجلبه لأنفسنا. أما الفيروز، فالعقيدة البابلية تقول إنه يطرد الأرواح الشريرة، ولم يتحدثوا عن الحسد.
- قلتِ: «متى ستصدق أنني فراشة؟» من أين جاءت الفكرة؟
هناك حكاية عن فيلسوف حلم بأنه فراشة، وحين استيقظ قال لمريديه: لا أدري، هل أنا فيلسوف حلم بأنه فراشة، أم أنني فراشة ما زالت تحلم بأنها فيلسوف؟ المخيال جميل، ولولا الخيال ما كنا شعراء. وأحيانًا أطير فوق الأرض من الفرح والحب والتفاؤل والسعادة والرضا.
- وأين الفرح؟
مليئة بالفرح، حتى في أقصى حالات الحزن أضحك. عندما أكون في قمة حزني، أحفر في صخر الوقت لأنتزع الفرح. من كل لحظة تمرّ، لا بد أن أنتزعه وأوزعه. ما عدنا خيارًا آخر.
-قيل إنكِ تشبهين لميعة عباس عمارة ونازك والخنساء. ماذا تقولين؟
فرحت بأنني لا أشبه إلا نفسي، أو ربما أشبه حشدًا من النساء.
- وماذا عن لميعة عباس عمارة؟
حبيبتي لميعة. تربطني بها علاقة خاصة. كنت الوحيدة من لحمها ودمها في مصر عندما توفيت، وكان ولدها البراق هناك. وأنا في حياتي لم أمشِ في جنازة، لكنني اضطُررت إلى دفن (عاشقة الليل) بيدي.
وكذلك يوسف الصائغ مات على يدي. كانت آخر الصور التي التُقطت له عندي، بالأسود والأبيض، وأكلت معه في آخر يوم. وبعد ساعات اتصل بي الشاعر بسام صالح مهدي وقال: (راح).
- أنتِ تصممين ملابسكِ بنفسك؟
أحب تصميم ملابسي، وأنقش قصائدي على أثوابي. في أحد الأثواب كتبت بالنمنم:(نبضٌ حين تلمسه، وأنا حريرٌ لستَ تلمسني).وكتبت أيضًا: (نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء).
- وماذا عن باريس؟
حين زرتها كتبت عنها قصيدة أحبها كثيرًا:
(تحبني وتلملمني، وتضمُّ الذي قد تبعثر مني، المسافات والطرقات والمباني).باريس مدينة النور والحب والجمال والكتابة والإبداع.
- إذن لماذا اخترتِ لندن؟
الأمر ليس دائمًا خيارًا. لو كان الأمر لنا، لاخترت أن أرجع إلى بغداد وينتهي الموضوع. نحن مضطرون أحيانًا.
- وإذا عدتِ إلى بغداد، هل ينتهي حنين الشاعر؟
أنا شاعرة في كل المدن. الشاعر قدر، ولا علاقة للشعر بالحنين وحده.بل إن الإنسان قد يكون في وطنه ويحن إلى ماضٍ عاشه في ذلك الوطن. وقد يحدث أن (تسأم منك المنافي، وحين تعود يسخر منك الوطن).
- والبلاد التي علّمتنا الحروب، ماذا نسيت أن تعلّمنا؟
البلاد التي علّمتنا الحروب، نسيت أن تعلّمنا كيف نحيا. لكنها علّمتنا الحروب.