الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حرية الاعتقاد بين الاختيار والانقياد

بواسطة azzaman

حرية الاعتقاد بين الاختيار والانقياد

 مزاحم إدريس عاشور

 

 في حين ترى الدُول الشرقية التي تأخذ بالنظرية الماركسية، أنّ اعتناق الأفكار الإقتصادية الحرة جريمة ما بعدها جريمة، نرى الدول الغربية الرأسمالية تسمح باعتناق الأفكار الاشتراكية، ولكن الوعي العام في بلادها لا يرى العنف طريقاً صحيحاً ومتحضراً لوصول الأحزاب ذات الفكر الاشتراكي إلى السلطة، فالمسألة تتوقف على قناعة وإرادة المواطنين إلى حد كبير، والأحزاب الاشتراكية إنما تطرح الفكر الاشتراكي بالطريقة التي تتلائم مع مجتمعاتها، ولكنها تنظر باستمرار وبحذر بالغ إلى الأحزاب التي تعتنق الشيوعية بشكل صريح، ولا تترك فرصة لإضعافها إلا واتبعتها، بينما تحرّم بعض الدول الغربية عملياً على الأقل من خلال إجراءاتها قيام مثل هذه الأحزاب الاشتراكية أو الشيوعية.

في الشريعة الإسلامية الوضع مختلف تماماً، فالنصوص القرآنية تدعو بشكل حاسم إلى حرية الاعتقاد، وخاصةً حرية الاعتقاد الديني الذي من المفروض حسب مُعادلات البشر أن يكون هذا الاعتقاد الديني المغاير للشريعة هو منافسها في عقول الناس، أي أنّ الشريعة تسمح بوجود شرائع كتابية أخرى في نفس المجتمع الإسلامي.

فالشريعة الإسلامية تعطي للنّاس حرية الاعتقاد الدينية الكاملة، هذا التصرف المبني على الثقة الكاملة بعدم اهتزاز الشريعة وأحكامها ..له ما يبرره، فالشريعة فيه من الوضوح والعمق الفكري والوجداني معاً مما يؤهلها لكي لا تخشى أيّ عقيدة أخرى أو فكر وضعي تختلف أحكامه ومبادؤه عن مبادئها، فهي تجمع الفكر والإيمان والمادة والروح وتأخذ بكافة العناصر التي تتكون منها شخصية الإنسان وتعطيها حقها العملي في الوقت الذي وضعت مبادىء راسخة تقريرية يمكن البناء والاجتهاد على ضوئها، وهي في النهاية من الله سبحانه وتعالى خالق الكون والبشر، فهل يمكن أن تكون هنالك آراء بشرية تستطيع تحدي ما قرره خالق البشر؟!

هنالك ثقة وقوة ذاتية في الإسلام ككل، لا يخشى الإسلام معها المعتقدات الأخرى نهائياً، فحرية الاعتقاد الديني منصوص عليها في القرآن الكريم في أكثر من موضع، فقال تعالى في محكم التنزيل:( فذّكر إنما أنت مذكر لست عليهم لمسيطر)[الغاشية: 21-22].

وقال تعالى:( ولو شاء ربك لآمن مَن في الأرض كلهم جميعاً، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)[ يونس: 99].

وقال تعالى:( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ)[البقرة: 256].

وقال تعالى:( وما على الرسول إلا البلاغ المبين)[ النور: 54]، وواضح من نصوص

هذه الآيات الكريمة أنّها ترفض الإكراه والسيطرة والجبر لاعتناق الإسلام، قال تعالى:( لكم دينكم ولي دين)[ الكافرون:6]، فحرية الاعتقاد الديني محسومة بالنصوص المتقدمة، ومعظم أئمة التفسير ذكروا أنّ سبب نزول الآية الكريمة:( لا إكراه في الدين).أنّه كان لدى بني النّضير من يهود المدينة أولاد من أبناء الصحابة ربوهم عندهم وهَوَدُوهم، فلما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإجلاء بني النضير لكثرة مؤآمراتهم على المسلمين، أراد المسلمون أن يأخذوا أبناءهم ويُكرهُوهم على الإسلام،فنزلت الآية المذكورة آنفاً، وقال النبي عليه أفصل الصلاة وأتم الاستعداد ( قد خيّر الله أصحابكم، فإن إختاروهم فهم منهم، وإن اختاروكم فهم منكم) فما أعظم الحرية في الإسلام بكل معانيها الإنسانية .

 


مشاهدات 53
الكاتب  مزاحم إدريس عاشور
أضيف 2026/09/07 - 4:02 PM
آخر تحديث 2026/09/07 - 11:50 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 90 الشهر 11964 الكلي 16544484
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير