الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كل شيء موجود إلا الدولة

بواسطة azzaman

هاشتاك الناس

كل شيء موجود إلا الدولة

ياس خضير البياتي  

 

هناك أخبار تحتاج إلى محلل سياسي، وأخرى إلى خبير اقتصادي، وثالثة إلى طبيب نفسي؛ أما أخبار العراق فتحتاج إلى الثلاثة معاً، وربما إلى شيخ يقرأ عليها الفاتحة. لأنك حين تفتح الأخبار لا تعرف: هل أمامك دولة تعاني من أزمة، أم أزمة تبحث عن دولة؟

العراق بلد عجيب؛ عنده النفط، ولا يزال يدور على الفلوس؛ عنده الجامعات، ولا يزال يدور على المعرفة؛ عنده الأطباء، والمريض يدور على مستشفى يثق به؛ عنده الأرض، ويستورد الغذاء؛ عنده دجلة والفرات، والماء يختفي؛ وعنده الشمس، لكن الكهرباء تأتي ضيفة وتغادر قبل أن نكرمها! وعنده ملايين الشباب، ثم نسأل: وين راحت الكفاءات؟

المشكلة ليست أن الأشياء ناقصة؛ المشكلة أن كل شيء موجود... إلا النتيجة!

النفط يطلع، والراتب يتأخر. الميزانية موجودة، والخدمات تتعثر. الجامعات تتوسع، وسوق العمل يضيق. المصانع موجودة على الورق، والزراعة عندها الأرض وتستورد الغذاء، والكهرباء عندها من الخطط أكثر مما عندها من الساعات المضيئة.

والأكثر غرابة جامعاتنا الحكومية، التي كانت ذات يوم منارات عريقة للعلم والمعرفة، أخذ بعضها يتحول، ويا للمفارقة، من جامعات «عريقة» إلى جامعات «عقيمة»؛ تستهلك ما تبقى من سمعتها ولا تنتج ما يوازي تاريخها. وفي المقابل، راحت معظم جامعاتنا الأهلية، التي تعمل بمنطق «نصف ردن»، تنتج الشهادات بسرعة تفوق قدرة الاقتصاد على إنتاج الوظائف.

وفي الصحة، المواطن لا يحتاج إلى تقرير ولا مؤتمر صحفي؛ يكفي أن يدخل المستشفى حتى يعرف السالفة كلها: طابور طويل، جهاز عاطل، دواء ناقص، وطبيب يحاول أن يعالج المريض وسط نظام إداري يحتاج هو نفسه إلى علاج. وقد وصف وزير الصحة مستشفياتنا بالكارثة، لكن المواطن يعرف الكارثة من باب المستشفى، ولا يحتاج إلى أحد يشرحها له.

أما الزراعة، فهذه وحدها تحتاج إلى محكمة! بلد دجلة والفرات، أرض خصبة، فلاح يعرف الأرض أكثر مما تعرف بعض الوزارات ملفاتها، وخبرة متراكمة منذ آلاف السنين... ومع ذلك نستورد غذاءنا!

الأرض تتحول إلى عقار، والعقار إلى مشروع، والمشروع إلى مجمع سكني، والمجمع يحتاج إلى طعام، والطعام يأتي من الخارج. ولو تكلمت الأرض لقالت للمسؤولين: ؟يمّه اتركوني أزرع بس... لا أريد مؤتمراً ولا لجنة

والكهرباء؟ هذه قصة حب عراقية ما إلها نهاية. خطة وراء خطة، مشروع وراء مشروع، مؤتمر وراء مؤتمر، والمسؤول يضغط زر التشغيل أمام الكاميرات، ثم يبتسم ويقول: «قريباً». صارت «قريباً» عندنا ليست ظرف زمان، وإنما نظام حكم: الكهرباء قريباً، الوظيفة قريباً، الإصلاح قريباً، التنمية قريباً... والمواطن يخاف أن يموت قبل أن توصل «قريباً»!

وللإنصاف، عندنا أيضاً مواهب وطنية نادرة. قادة بارعون في نشر الغيبيات؛ يعرفون ماذا سيحدث غداً، لكنهم لا يعرفون لماذا انقطعت الكهرباء اليوم! وآخرون محترفون في نشر الأيادي في المال العام، حتى صار المال إذا دخل الدولة يخرج منها وهو يسأل: «يمّه، منو أكلني؟»

وعندنا مجلس نواب يبدو أحياناً في سياحة برلمانية دائمة: جلسة، سفرة، صورة جماعية، ثم رجوع إلى البيت. أما التشريع والرقابة، فيبدو أن حقيبتهما ضاعت في المطار!

وعندنا لجان تشكل لجاناً للتحقيق في سبب عدم تنفيذ توصيات لجان سابقة، ومؤتمرات أكثر من الكهرباء، وتصريحات أكثر من الماء، وخطط أكثر من عدد العاطلين، واحتفالات بوضع حجر الأساس أكثر من المشاريع نفسها. حتى الحجر نفسه ملّ، وصار يتساءل:»بعد شكد راح تبقون تحطوني؟»

وهنا جوهر الحكاية: العراق ليس فقيراً بالموارد، وإنما يعاني من فقرٍ في الإدارة الرشيدة للموارد. عندنا العلماء والأطباء والمهندسون والاقتصاديون والإداريون، لدينا النفط، والأرض، والشباب، والجامعات، والعلماء، والموقع، والتاريخ، والمال؛ وما ينقصنا ليس ثروة جديدة، ولا مؤتمراً جديداً، ولا لجنة جديدة. ينقصنا فقط أن نضع الدولة في يد من يؤمن بالدولة، لا في يد من يراها غنيمة.

والخطر الحقيقي ليس أن تنهار الدولة، بل أن يعتاد المواطن على نصف دولة: فساد عادي، بطالة عادية، هجرة عادية، كهرباء عادية وهي مقطوعة، مصانع مغلقة عادي، وتراجع جامعي عادي. وحين يصبح الفشل عادياً، يصبح الإصلاح نفسه شيئاً غريباً، بل وربما مشبوهاً!

وعندها يجلس المواطن أمام محطة وقود، بجانب مصنع مغلق، وفي يده شهادة جامعية، وفي هاتفه رسالة تقول إن الراتب «قريباً».يرفع رأسه ويسأل: من المسؤول؟

فتجيبه الدولة بصوت آلي بارد:

شكراً لاتصالك... الدولة نائمة، وجميع موظفينا نائمون حالياً. يرجى الانتظار!

yaaas@hotmail.com

 


مشاهدات 28
الكاتب ياس خضير البياتي  
أضيف 2026/09/06 - 3:53 PM
آخر تحديث 2026/09/07 - 1:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 108 الشهر 10225 الكلي 16542745
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير