الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أسد بابل.. حكاية الحجر الذي تكلم!


أسد بابل.. حكاية الحجر الذي تكلم!

عبدالكريم الحلو

 

كنت هناك ليلة أمس  :

كان الليل يهبط ببطء على بابل، وكانت المدينة التي اعتادت أن تنام على ضجيج الأسواق وخطوات الجنود وعربات الملوك، تبدو في تلك الساعة كأنها تحبس أنفاسها.

 

كانت أضواء المشاعل تتراقص بعيدًا على جدران المدينة، وعلى طريق الموكب الذي شهد مرور الملوك والكهنة والجيوش والغرباء.

 

وفي مكان قريب، كان يقف أسد من حجر البازلت الأسود، ويبلغ طوله نحو مترين. يصور أسدًا ضخمًا واقفًا فوق رجل مستلقٍ أمامه، في مشهد يبدو للوهلة الأولى كأنه انتصار ملك أو محارب على عدو.

 

لم يكن أسدًا يزأر، ولا أسدًا يطارد فريسة في البرية. كان أسدًا صامتًا.

 

لكن صمته كان أشد من الزئير.

تحت مخالبه كان رجل ممددًا على الأرض.

لم يكن الفنان بحاجة إلى أن يكتب على الحجر من هو الرجل، ولا من أي بلاد جاء، ولا لماذا سقط.

 

تركه مجهولًا، وكأن بابل أرادت أن تقول للتاريخ  :

لا يهمني اسم المهزوم،

المهم أن تعرف أن القوة كانت هنا.

 

              

 

كان الأسد يمد جسده إلى الأمام، وقد ثبتت مخالبه فوق الرجل. لم تكن الحركة عابرة، بل كانت مشهدًا محسوبًا، أراد به الفنان أن يجعل الحجر يتكلم.

 

فالأسد عند شعوب الشرق القديم لم يكن مجرد حيوان، بل كان رمزًا للقوة والسيادة والهيبة.

 

أما الإنسان المدد تحته ، فبقي سؤالًا مفتوحًا  : هل هو عدو مهزوم  ؟

 

مرت السنوات، ومات الملوك، وسقطت الجيوش، وتغيرت الخرائط، وجاء غرباء إلى بابل ..  ثم رحلوا.

 

كبر الأطفال الذين كانوا يركضون في شوارعها، ثم صاروا آباء، ثم صار آباؤهم قبورًا، ثم تحولت القبور نفسها إلى تراب.

 

أما الأسد، فبقي شاخصًا مهابًا،

كأنه يرى كل شيء ولا يتكلم.

 

رأى بابل وهي في عنفوانها، ورأى القوة البابلية العظيمة التي ظنت أنها تستطيع أن تهزم الزمن، ثم رأى الزمن يهزمها.

 

وهنا تكمن المفارقة العظيمة:

بابل أرادت أن تجعل الأسد شاهدًا على انتصاراتها، فأصبح شاهدًا على زوالها.

 

ولعل الفنان البابلي لم يكن يعرف أن عمله سيعيش آلاف السنين. ربما كان يظن أنه يصنع رمزًا لملك عصره، أو لمدينة عظيمة، أو لانتصار سياسي محدد.

 

لكنه، من حيث لا يدري،

صنع شيئًا أكبر من ذلك كله:

صنع سؤالًا أبديًا.

فالإنسان الذي تحت الأسد لم يعد مهمًا اليوم، والملك الذي أمر بالعمل ربما لا نعرف اسمه، والجنود الذين حملوا السلاح صاروا غبارًا، حتى الأصوات التي كانت تملأ شارع الموكب اختفت.

 

لكن الحجر الأصم بقي شاهدًا، وكأن التاريخ قرر أن يحتفظ بالصورة ويترك أصحابها للنسيان.

 

              

 

واليوم حين يقف الإنسان أمام أسد بابل ، قد يظن أنه ينظر إلى قطعة من الماضي، لكنه في الحقيقة ينظر إلى نفسه.

فالأسد هنا ليس فقط بابل، والرجل الذي تحته ليس فقط عدوًا قديمًا.

 

وهنا يأتي الدرس القاسي الذي لم تكتبه الأقلام المسمارية:

لا شيء يهزم الزمن.

لا الملك، ولا الجندي،

ولا المدينة، ولا حتى الأسد.

 

وحين تمر أمام أسد بابل، لا تسأل فقط:

من الرجل الذي تحت مخالبه؟

بل اسأل:

 

من الأسد الذي سيقف فوقنا جميعًا حين يتحول تاريخنا إلى أطلال؟

 

وهكذا، بعد آلاف السنين، ما زال أسد بابل

لا يزأر، لا يتحرك، ولا يبحث عن مجد.

فقط ينظر إلى العابرين، وكأنه يقول لهم:

كنت يومًا رمزًا لانتصار بابل، ثم صرت شاهدًا على سقوطها.

 

فكم من أسد في حياتنا نظنه خالدًا،

وهو في الحقيقة ينتظر دوره أمام الزمن؟

 

مرت القرون،

وبقي الأسد في مكانه، وبابل تغيرت.

تعاقب عليها الملوك، دخلتها الجيوش وخرجت منها الجيوش، تغيرت اللغات والوجوه، وسقطت التيجان، وذهب الذين كانوا يعتقدون أن المجد لهم وحدهم.

أما الأسد فظل واقفًا، كأن الزمن نسي أن يخبره بأن الحرب انتهت.

 

ولعل أجمل ما في الحكاية

 أن الرجل الذي تحت الأسد لا نعرفه.

وهذا المجهول هو الذي يمنح التمثال معناه الأبقى.

فلو عرفنا اسمه، ربما أصبح التمثال حكاية رجل واحد، لكننا لا نعرفه، لذلك أصبح رمزًا لكل إنسان سحقته القوة، ولكل مهزوم لم يكتب التاريخ اسمه.

 

ولو عاد النحات اليوم، بعد آلاف السنين، ووقف أمام تمثاله، وسأله الناس:

هل كنت تعرف أن الأسد سيبقى،

وأن بابل سترحل؟

 

ينظر النحات إلى الأسد طويلًا، ثم يقول:

كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط:

أنني أنحت في الحجر ما أخاف أن يقوله الإنسان.

ثم يمضي.

 

ويبقى الأسد كما كان  :

صامتًا، مهيباً  ، فوق رجل لا نعرف اسمه.

لكننا هذه المرة، حين ننظر إليه، لا نرى انتصار بابل فقط ، بل نراه شاهداً علينا.

 

              

 

أيها الأبناء

حين تقفون أمام أسد بابل، لا تقولوا: هذا تمثال قديم.

قولوا: هذا جزء من ذاكرتنا.

حين كنا أمة عظيمة، تعرف كيف تبني، وكيف تكتب، وكيف تحكم، وكيف تترك أثرها في تاريخ الإنسانية.

نحن أبناء أرض لم تبدأ حكايتها بالأمس.

 

هنا مشت الحضارة الأولى بخطواتها الأولى، وهنا ارتفعت بابل، وهنا كتب الإنسان بعضًا من أقدم صفحات القانون والمعرفة والتمدن.

 

كانت لنا دول وإمارات، وكانت لنا إمبراطوريات، وكان لنا مجد امتد حتى صار اسم بابل وحده كافيًا ليوقظ في ذاكرة العالم صورة العظمة والتاريخ.

 

لكنني لا أريد من أبنائنا أن يمروا أمام أسد بابل مرور العابرين ، أريدهم أن يتوقفوا، أن يضعوا أيديهم على الحجر، وأن يصغوا إلى صمته ، فهذا الأسد لم يبق لأنه أقوى من الزمن ، بل لأنه يحمل في جسده ذاكرة أمة صنعت مجدًا عظيمًا.

 

أمة أعطت الإنسان أول قبس من الضوء الذي يمشي به إلى اليوم.

 

وحين يسألنا أبناؤنا:

ما الذي بقي لنا من بابل؟

 

فلنقل لهم :    هذا أسد بابل :

فلا تجعلوه مجرد حجر، بل اجعلوه عهدًا بأن الأرض التي أنجبت بابل قادرة، متى امتلك أبناؤها العلم والإرادة والوعي، أن تستعيد مكانها بين الأمم.

 

فالماضي لا نملكه لننام على أمجاده، بل نعود إليه لنعرف من نحن، ونستمد منه ما يعيننا على أن نصنع غدًا يليق بتاريخنا.

 

وهكذا، بعد آلاف السنين، بقي الأسد واقفًا.

لا يحرس بابل وحدها، بل يحرس ذاكرة العراق ، ويقول لكل عابر أمامه  :

إن الأمم لا تبقى بما كان لها،

بل بما تستطيع أن تصنعه من جديد.

 

لذلك، حين نقف أمام أسد بابل، علينا ألا ننظر إليه كحجر بقي من الماضي، بل كأمانة تركها الماضي لنا.

 

فلا نجعله شاهدًا على ما كنا فقط،

بل شاهدًا على ما سنكون.

ويبقى السؤال الأخير   :

ماذا سنترك نحن بعد أن نمضي  ؟


مشاهدات 137
الكاتب عبدالكريم الحلو
أضيف 2026/09/01 - 2:39 PM
آخر تحديث 2026/09/03 - 1:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 164 الشهر 3675 الكلي 16136196
الوقت الآن
الخميس 2026/9/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير