الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سفينتنا يقودها قبطان... و يديرها قرصان


سفينتنا يقودها قبطان... و يديرها قرصان

 نبز شهرزوري

 

یقول الکاتب الفرنسي "فرانسوا رابليه" في قصة "خرفان بانورج": حدث شجار بين الشخصية الماكرة "بانورج " وتاجر الأغنام الجشع "دندونو"، بعد أن باع التاجر خروفاً لبانورج بسعر باهظ جداً. انتقم بانورج  منە بإلقاء الخروف في البحر، فقفز باقي القطيع خلفه، حتى غرق التاجر نفسه محاولاً منعهم، ومن هذه الحكاية أصبحت "خرفان بانورج" مثلاً شائعاً، يرمز إلى روح القطيع، والانسياق الأعمى خلف أفعال و آراء الآخرين دون تفكير !.

ولعل هذه الحكاية تصلح اليوم استعارةً سياسية لحال كثير من مجتمعاتنا، حيث يُطلب من المواطن أن يذهب إلى صناديق الاقتراع، وأن يثق بأن الانتخابات هي الطريق إلى الشرعية، وأن التداول السلمي للسلطة هو الضمانة الأساسية لبناء الدولة الديمقراطية.

ولا شك في أن الانتخابات الحرة والنزيهة تمثل إحدى الركائز الأساسية للنظام الديمقراطي، وأن حق المواطنين في اختيار ممثليهم ومحاسبتهم. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الانتخابات من وسيلة لتغيير السلطة إلى مجرد آلية لإعادة إنتاجها.

فكثير من القوى السياسية تدخل الانتخابات وهي ترفع شعارات الإصلاح، وبناء الدولة، ومكافحة الفساد. لكن التجربة أثبتت أن  تلک الشعارات الانتخابية تنتهي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، لتعود الأحزاب إلى حساباتها الخاصة، وتبدأ عملية توزيع المناصب والنفوذ والمصالح.

وإن الأساليب، التي تمارسها الحکومات المتعاقبة باسم الديمقراطية، تشبە نفس الاسلوب بعض القوى الإسلامية، التي لا تؤمن بالديمقراطية، لكن  تمارسها للوصول إلى السلطة بشرعية الانتخابات، لأن الديمقراطية، هي اليوم مطلب عالمي.

والسؤال المهم هنا هو ؟ هل الانتخابات تؤدي فعلًا إلى تغيير السلطة، أم أنها تمنح السلطة القائمة فرصة جديدة لإعادة إنتاج نفسها؟.

أما حين تتحول الانتخابات إلى مناسبة دورية تتغير فيها الوجوه والمناصب، فقط، فإننا لا نكون أمام تداول حقيقي للسلطة، بل أمام تداول شكلي داخل السلطة.

 

هنا تكمن المشكلة الكبرى:

فالقوة التي تسيطر على العملية السياسية تستطيع، بوسائل مختلفة، أن تؤثر في مسار الانتخابات ونتائجها، وأن تستخدم المال السیاسي و الإعلام الخاضع لمراكز النفوذ و التصويت بالإكراه و الولاء القبلي للتأثير في إرادة الناخبين و المشهد السیاسي بإستخدام شعارات "حماية التجربة الفتية" لمنع أي تغيير حقيقي أو محاسبة للمفسدين، وبالتالي حولت النظام السياسي إلى بيئة محمية ضد التغيير، وفي هذه الحالة تبقى الديمقراطية قائمة من الناحية الشكلية، بينما يجري الاستحواذ عليها من الناحية العملية.

وبذلك يصبح المواطن أمام مشهد يوحي بأن الشعب هو مصدر السلطة، في حين أن مراكز النفوذ الحقيقية قد تكون خارج المؤسسات المنتخبة وبذلك، تتحول الديمقراطية من مشروع لبناء دولة إلى مجرد واجهة لصراع الأحزاب والقوى المتنفذة على السلطة والثروة.

فالانتخابات قد تغيّر أسماء الوزراء، وقد تأتي بوجوه جديدة، لكنها لا تعني بالضرورة تغيير السياسات أو تغيير مراكز النفوذ التي تتحكم في الاقتصاد والإدارة ومفاصل الدولة.

فالناخب يفقد ثقته بالعملية الديمقراطية، عندما يشعر أن صوته لا يؤدي إلى تغيير حقيقي، وأن الانتخابات لا تمنحه القدرة على محاسبة من يحكمه. وعندما يصل المواطن إلى هذه القناعة، يصبح صندوق الاقتراع بالنسبة إليه مجرد محطة لإعادة ترتيب القوى نفسها.

المشكلة ليست في الديمقراطية أو الانتخابات بحد ذاتها، وإنما في تحويل الانتخابات إلى آلية لإعادة إنتاج السلطة بدل أن تكون وسيلة لتغييرها ومحاسبتها.وهذا هو جوهر الأزمة، في كثير من أنظمتنا السياسية، لدينا انتخابات، وبرلمانات، وحكومات، وأحزاب، وشعارات ديمقراطية، لكن السؤال يبقى: من يدير السفينة فعلًا ؟

هل تديرها المؤسسات بحکم الدستور والقانون ؟

أم تديرها شبكات المصالح والقوى السياسية والاقتصادية التي تستطيع التأثير في القرار من خارج المؤسسات؟

فالسؤال ليس من يقود السفينة فقط... بل من يمسك بدفتها؟ وهل القبطان هو الذي يقودها، أم أن القرصان هو الذي يديرها ؟

وکأننا نمر بتکرار قصة "خرفان بانورج" ، لذا إما ان نتخلص من روح القطيع وقیود "دوندونو"  او نرکض خلف خروف بانورج !

 

 

 


مشاهدات 33
الكاتب  نبز شهرزوري
أضيف 2026/08/31 - 3:32 PM
آخر تحديث 2026/09/01 - 1:18 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 115 الكلي 16132636
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير