الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من نبوءة الوائلي إلى بصيرة الفرهود .. دولةٍ يفترسها الفساد


من نبوءة الوائلي إلى بصيرة الفرهود .. دولةٍ يفترسها الفساد

راجي العوادي

 

حِينَ أَنْشَدَ الدَّكْتُورُ أَحْمَدُ الوَائِلِيُّ بَيْتَهُ الشَّهِيرَ فِي سِتِينِيَّاتِ القَرْنِ المَاضِي «أَكِلُوا يَا ضِبَاعَ الزَّوْرِ مَا طَالَ السَّبْعُ يُفْرَسُ»

فقد كَانَ يُشَرِّحُ بِدِقَّةٍ صَارِمَةٍ بِنْيَةَ الطُّغْيَانِ وَتَفَكُّكَ المَجْتَمَعِ فِي لَحَظَاتِ انْفِصَامِ الدَّوْلَةِ؛ ف فِعْلُ «يُفْرَسُ» فِي بيت الشعر كَانَ التَّشْخِيصَ الدَّقِيقَ لِعَلَّةِ الفَسَادِ؛ فَالَسَّبْعُ هُنَا لَيْسَ الضحِيَّةَ، بَلْ هُوَ الرَّمْزُ لِلْسَّلْطَةِ الجَائِرَةِ وَالقُوَّةِ الغَاشِمَةِ وَالنَّفُوذِ المُنْفَلِتِ الَّذِي يَصْطَادُ المُؤَسَّسَاتِ، وَيَهْدِمُ مَوَازِينَ العَدْلِ، وَيُمَهِّدُ الطَّرِيقَ لِلْفَوْضَى , وَفِي تِلْكَ المَرْحَلَةِ المَفْصَلِيَّةِ مِنْ تَارِيخِ العِرَاقِ، كَانَ ذَلِك السَّبْعُ هُوَ مَنْ يَسْتَبِدُّ بِالقَرَارِ وَيَفْتَرِسُ هَيْبَةَ المَجْتَمَعِ وَيُفْرِغُ البِلادَ مِنْ أَيِّ رَادِعٍ أُخْلاَقِيٍّ أَوْ مُؤَسَّسَاتِيٍّ، لِتَأْتِيَ مِنْ خَلْفِهِ «ضِبَاعُ الزَّوْرِ»أُولَئِكَ الانْتِهَازِيُّونَ وَتُجَّارُ المَوَاقِفِ وَالمُتَكَسِّبُونَ بِالنِّفَاقِ كَيْ تَرْتَعَ فِي المَيْدَانِ، وَتَنْهَشَ مَا تَبَقَّى مِنْ جِرَاحِ الضحَايَا، وَتَقْتَاسَمَ السُحْتَ فِي ظِلالِ البَاطِلِ.

وبعد نَحْوِ عَقْدٍ مِنَ الزَّمَنِ مِن قَوْلِ الوَائِلِيِّ، جَاءَ الأدِيبُ وَالشَّاعِرُ المَرْحُومُ الشيخ عزيز حُسَيْن الفَرْهُود , رَئِيسُ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ فِي العِرَاقِ وَالوُطُنِ العَرَبِيِّ, لِيَضَعَ يَدَهُ عَلَى المَفْصَلِ ذَاتِهِ  ، مُعَبِّرًا عَنْ رُؤْيَتِهِ الثَّاقِبَةِ لِمُسْتَقْبَلِ الوَاقِعِ العِرَاقِيِّ وَمَآلاَتِ هَذِهِ الحَالَةِ السَّائِبَةِ، إِذْ قَالَ:

هَذَا سُوكْ رَباط رَاحْ ذَاكْ السُّوكْ .. خَلِّهِ اليعْرِفْ يَجْذِبْ وَاليعْرِفْ يَبُوكْ

لَقَدْ كَانَتْ قِرَاءَةُ «الفَرْهُود» تَسْجِيلًا شَاعِرِيًّا وَاجْتِمَاعِيًّا لِلْتَحَوُّلِ الخَطِيرِ فِي المَنْظُومَةِ الأَخْلاَقِيَّةِ؛ حَيْثُ انْتَقَلَ المَشْهَدُ مِنْ مُجَرَّدِ اِفْتِرَاسِ «السَّبْعِ» وَاِنْتِهَازِيَّةِ «الضِّبَاعِ» إِلَى صِيَارَةِ الوَاقِعِ كُلِّهِ عِبَارَةً عَنْ سُوقٍ مَفْتُوحَةٍ تُسَوَّقُ فِيهَا الذِّمَمُ، وَتُعْطَى فِيهَا الصَّدَارَةُ لِمَنْ يُتْقِنُ فُنُونَ الخِدَاعِ وَالسَّرِقَةِ وَالنَّهْبِ.

واليَوْمَ ، بَعْدَ مَضِيِّ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ ، يَعُودُ هَذَا المَشْهَدُ المَأْسَاوِيُّ لِيَتَكَرَّرَ فِي العِرَاقِ، لَكِنْ بِصُورَةٍ أُكْثَرَ بَشَاعَةً وَتَعْقِيدًا؛ إِذْ لَمْ يَعُدْ فِي المَيْدَانِ سَبْعٌ وَاحِدٌ ولا سُوقٌ وَاحِدَةٌ لِلْمَزَادِ، بَلْ نَحْنُ أَمَامَ مَنْظُومَةٍ مُتَكَاثِرَةٍ مِنَ السِّبَاعِ المَفْتَرِسَةِ الَّتِي تُمَثِّلُ َحِيتَانَ الفَسَادِ المَالِيِّ وَصُنَّاعَ الصَفَقَاتِ المُظْلِمَةِ؛ فَهَؤُلاءِ هُمْ مَنْ يَفْتَرِسُونَ مَفْهُومَ «الدَّوْلَةِ الحَقِيقِيَّةِ» وَيُهَمِّشُونَ العَقْلَ الأَكادِيمِيَّ وَالكَفَاءَاتِ الوَطَنِيَّةَ، وَيُسْقِطُونَ مَفْهُومَ المُوَاطَنَةِ. بدوءا بالاِفْتِرَاسُ يَوْمِيًّا مِنْ حِرْمَانِ النَّاسِ مِنْ أَدْنَى حُقُوقِهِمْ فِي الخِدْمَاتِ وَالعَدَالَةِ ، وَتَغْيِيبِ الفِكْرِ الحُرِّ، وَإِفْرَاغِ المُؤَسَّسَاتِ الرَّقَابِيَّةِ وَالقَضَائِيَّةِ مِنْ مَضَامِينِهَا العَادِلَةِ لِصَالِحِ بَقَاءِ النَّفُوذِ.

وَعَلَى خُطَى ذَلِك الاِفْتِرَاسِ المُنَظَّمِ، تُقِيمُ الضِّبَاعُ مَهْرَجَانَهَا المَفْتُوحَ فِي ذَلِكَ السُّوقِ الَّذِي وَصَفَهُ الفَرْهُود؛ فَالضَّبُعُ فِي سُلُوكِهِ الطَّبِيعِيِّ كَائِنٌ طَفِيلِيٌّ لا يَسْتَطِيعُ المواَجَهَةَ أَوْ بِنَاءَ شَيْءٍ ، بَلْ يَعِيشُ حَصْرًا عَلَى الفَرَاغِ الَّذِي يَتْرُكُهُ المَفْتَرِسُ الكَبِيرُ, وَفِي الواقعِ العِرَاقِيِّ الراهِنِ، طَوَّرَتْ الضِّبَاعُ مِنْ صَنَعَتِهَا، فَلَمْ تَعُدْ تَنْهَشُ فِي الظَّلاَمِ بَلْ بَنَتْ مَنَابِرَ وَشَاشَاتٍ لِتُدِيرَ إِمْبَرَاطُورِيَّةً مِنَ الزَّوْرِ، يَعْتَلُونَ فِيهَا المَنَاصِبَ لِيُصَوِّرُوا الفَسَادَ إِ نْجَازًا، وَلِيُعِيدُوا تَعْرِيفَ الوَطَنِيَّةِ وَالإِصْلاَحِ بِمَقَايِيسِ غَنَائِمِهِمْ، مُتَقَاسِمِينَ جِرَاحَ البِلادِ مِنْ مَشَارِيعَ وَهْمِيَّةٍ وَعُقُودٍ مَسْرُوقَةٍ حَتَّى غَدَا النِّفَاقُ المَالِيُّ وَالسيَاسِيُّ هُوَ الشَّرْطَ الأَسَاسِيَّ لِلْبَقَاءِ.

تَكْمُنُ الحَقِيقَةُ الصَّادِمَةُ فِي أَنَّ الضِّبَاعَ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا هِيَ الصَانِعَةَ لِلْفَوْضَى، بَلْ هِيَ العَرَضُ المَرَضِيُّ لِوُجُودِ السِّبَاعِ المَفْتَرِسَةِ الَّتِي تَدْمُرُ المَبَادِئَ وَتُغَيِّبُ العَدْلَ, وَإِذَا أُرِيدَ لِهَذِهِ المَهَزَلَةِ التَّارِيخِيَّةِ أَنْ تَنْتَهِيَ، فَإِنَّ المَعْرَكَةَ الحَقِيقِيَّةَ لا تَكُونُ بِمُلاَحَقَةِ الضِّبَاعِ وَحْدَهَا، بَلْ بِكَسْرِ سَلْطَةِ السِّبَاعِ الَّتِي تُفْرِسُ المُمَكَّنَاتِ، وَبِإِعَادَةِ المَهَابَةِ لِسَيْفِ القَانُونِ وَسِيَادَةِ الدَّوْلَةِ، فَحِينَئِذٍ فَقَطْ، سَتَفْزَعُ ضِبَاعُ الزَّوْرِ وَتَعُودُ خَائِبَةً إِلَى الجُحُورِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهَا.

إنصافًا للتاريخ وللبصيرة الشعرية العراقية ، لا بد من الوقوف بإجلال أمام تجربتين أدبيتين امتلكتا حسًّا ثاقبًا في قراءة المستقبل العراقي: تجربة الدكتور أحمد الوائلي، وتجربة الأديب والشاعر الراحل الشيخ عزيز حسين الفرهود.

لقد كان الوائلي، قبل عقود طويلة، أبعد نظرًا من أن يكتفي بوصف لحظة سياسية عابرة؛ فقد استطاع في قوله«أكلوا يا ضباع الزور ما طال السبع يُفرس» أن يلتقط جوهر المعادلة التي ستظل تتكرر في العراق: سلطةٌ حين تنفلت من القانون، تفتح الطريق أمام الانتهازيين والمتكسبين وأصحاب المصالح، فيتحول ضعف الدولة إلى غنيمة تتقاسمها الضباع.

أما االشيخ عزيز الفرهود، فقد ذهب بالرؤية خطوة أبعد، حين قال: «هذا سوك رباط راح ذاك السوك.. خلّه اليعرف يجذب والي يعرف يبوك» وكأنه يستشرف انتقال المجتمع من مجرد وجود مستفيدين من انهيار السلطة إلى واقع يصبح فيه الفساد نفسه سوقًا مفتوحة، تتقدم فيها مهارة الخداع والنهب على الكفاءة والنزاهة والاستحقاق.

واللافت في تجربة الرجلين أن كليهما لم يكن يقرأ الحاضر بقدر ما كان يقرأ مآلاته. فالوائلي التقط مبكرًا علاقة الاستبداد بولادة الانتهازية، والفرهود التقط مبكرًا كيف يمكن أن يتحول الانهيار الأخلاقي إلى منظومة اجتماعية وسياسية لها سوقها ورجالها وقواعدها.

وبعد عقود، يبدو أن الواقع العراقي قد أعاد إنتاج الصورتين معًا؛ فـ«السبع» لم يعد رمزًا فرديًا للقوة الغاشمة و«الضباع» لم تعد مجرد انتهازيين على هامش المشهد، بل تشكلت منظومات أكثر تعقيدًا من النفوذ والفساد والمحاصصة والمتاجرة بالمواقف, وهنا تتجلى قيمة بصيرة الوائلي والفرهود: أنهما لم يصفا زمنهما فحسب، بل لامسا قانونًا من قوانين الانحدار السياسي والاجتماعي ، واستشرفا إلى أين يمكن أن يقود غياب الدولة والقانون.

لقد كانا، كلٌّ بأسلوبه ولغته وأدواته، شاهدين مبكرين على أن أخطر ما يهدد العراق ليس الفساد وحده، بل تحول الفساد إلى ثقافة ، والانتهازية إلى وسيلة صعود، وضعف الدولة إلى فرصة للمتربصين بها.

ومن هنا، فإن الإشادة بالوائلي والفرهود ليست إشادة بشاعرين أو أديبين فحسب، بل احتفاء ببصيرة عراقية نادرة استطاعت أن ترى في اللحظة العابرة ملامح مستقبل كامل , وما أشبه العراق اليوم بما قرآه بالأمس؛ حتى ليبدو أن الزمن لم يُكذّب نبوءتهما، بل جاء ليؤكدها.

*اكاديمي وكاتب مستقل

Rajı_ali_1961@yahoo.co.uk


مشاهدات 38
الكاتب راجي العوادي
أضيف 2026/08/31 - 3:31 PM
آخر تحديث 2026/09/01 - 1:18 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 115 الكلي 16132636
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير