الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ابو القاسم الشابي  ...... الوقوف امام ابواب الحرية المغلقة


ابو القاسم الشابي  ...... الوقوف امام ابواب الحرية المغلقة

مهند الياس

 

صعب ان يحس الشاعر بموته ... وتكمن الصعوبة اكثر عندما يشعر بانه اصبح غريب في هذه الحياة ..!

وصعب ايضا حين يرتدي الشاعر اثواب الحزن عنوة .. وهو الذي يريد ان يخرج الى العالم الاوسع وبحرية مطلقة ..!

والحزن.... والحرية ... عالمان متناقضان الى اقصى حدود التنافر والتعارض ..!

 ومن هنا نجد ان بعض الشعراء .. وعندما يشعرون بانهم في مقربة من الموت .. هذا الغول المقرف .. يتصا عد عندهم شعورالتشظي واليأس المقيت بلا وعي منهم .. فتراهم يصورون الحزن اشبه بالحرية والحرية اشبه بالخيال الذي لا ينال  .. وهذه محاولة تعد من الوهم

اذ يريد منها الشاعر الخلاص من ثيمة الخوف  من المجهول .الذي يفاجأة بما لا يرضاه !

.. ومن هؤلاء الشعراء المبرزين الذين تفردو في رسم احزانهم التي حملت تطلعاتهم نحو الحياة .. ونحو افقها الرحب الاسمى .. هو الشاعر التونسي ابو القاسم الشابي .

 لقد امتلك الشابي بحبوحة الشعر وما تمتاز به من امكانية هائلة .. لها جوانبها المستنيرة ـ ولها افقها الكبير ، حيث تراءت له حدودها المرنة والتي من شأنها ان تمنحه قدرة على تصوير حركة الطبيعةو الاشياء

تصويرا فنيا عاليا.

 

ولكن كما يبدو ان الالام المفجعة التي اعترت حياته وفي وقت مبكر

طغت على هذه –الحيوية- واستلبت منها ماتريد .. فاصبحت قصائده هي مزيج من الرومانسية الحزينة المفرطة ..!

 ومن هنا نجد ان الشابي وبطريقة حالته هذه التي تتخالط فيها خيوط الحزن مع الرومانسية الحادة .. تجسد صور رائعة .. فالحزن له احساسه العظيم الذي يحمل الشاعر دخولا نحو افاقه المزدحمة بطقوس ممزوجة بالام الحياة  .. أي ان الالم حين ترتفع مؤشرات تحمله لدى الشاعر .. يبدأ بنزف امطاره وبصور صادقة عذبة تتناغم مع طموحه الذي يريد ان بضيف لهذا الالم لونه الوردي .. ويلبسه حالة من التفتح ، حيث يكون الشعر هو معينه .. فلولا كونه شاعر ، لسحقه الحزن بعجلته المتمردة .. لكن الشعر فتح نوافذه امامه ، فانطلقت منه  مخاضات اعماقه ، فكان نهره الاسمى الذي سارت عبره زوارق احلامه !

 

انت يا شعر ، فلذة من فؤادي

                      تتغنى ، وقطعة من وجـــــودي

فيك مافي جوانحي من حنين

                       ابدي الى صمـــــــيم الوجودي

فيك مافي خواطري من بكاء

                       فيك مافي عواطفي من نشيدي

فيك مافي مشاعري من وجوم

                       لا يفنى ، ومن سرور عهيد

فيك مافي عوالمي من ظلام

                       سرمدي ومن صباح وليدي

                       **

لقد دخل الشابي طقوس الحزن من ابوابه المشرعة .. وبنفس ثابتة

مطمئنة رغم القلق الكبير الذي يلف كيانه .. وتوثب ا حساسه بحكمة .. لذا فهو حاول ان يفهم الحزن من خلال الانفتاح، ويفهم قيود الكأبة والضجر ودبيب الموت ، بالتحدي العظيم عن طريق التعلق بالحرية اكثر .. فلا احد يفهم الحرية الا الذي يتذوق طعم مرارة سجن الالم

 والاحزان .. لذا ترى ان الشابي .. يتجاوز حدود الامه متخذا تجلياته نحو انطلاقة روحه المعذبة وباتجاه حريتها المشروعة .. حيث عرف ان حريته هي الفضاء الفسيح الذي تمنحه شيء من الثقة اكثر بالحياة:

 

خلقت طليقا كطيف النسيم

                 وحرا كنور الضحى في سماه

تغرد كالطير ان اندفعت

              وتشدو بما شاء وحي الالــــــــه

وتمرح بين ورود الصباح

               وتنعم بالنور اين تـــــــــــــــراه

وتمشي كما شءت بين المروج

                فتقطف ورد الربى مــــــن رباه

كذا صاغك الله يا ابن الوجود

               والفت في الكون هذي الحيـــــاة

فما بالك ترضى بذل القيود

                وتحني لمن كبلوك الــــــــجباه

                         **

وفي رحلة عمره الاخيرة ، بدأ الشابي يغوص في اعماق الالم شيئا فشيئا ، فيرى ان الحياة تدلهم امام عينيه .. وتمضي امامه سحبا قاتمة ، اذ بدا يعزف في نايه الحانا باهتة:

 

لو كانت الايام في قبضتي

                    اذريتها للريح مثل الرمال

وقلت ياريح بها فاذهبي

                     وبدديها في سحيق الجبال

بل في فجاج الموت ..في عالم

                     لايرقص النور به والظلال

لو كان هذا الكون في قبضتي

                    القيته في النار ، نار الجحيم

الثأر اولى بعبد الاسى

                ومسرح الموت ، وعش الهموم

 

                                 **

.. لقد كتبت الاقدار على صفحات حياة هذا الشاعر اليانع .، سطورها المؤلمة .. وتجرع اوجاعها بمرارة ، وحاول ان يثب عليها بمواجهة ساخرة ... ولكن بحيوية اليقين البائس .. فكانت تطلعاته نحو التحرر من القيود التي تلتف على احساسه عالية  وكبيرة .

ان رسوم الحرية في قصائده ، اصبحت توأم الحزن ،، هو المزج بيت اشراقة الومضة .. وبين عتمة الافق .. حيث ان القصيدة تخرج ملونة بهذه السحنة .

لقد منحنا الشابي قيمة رائعة من قصائده التي لم يكتمل مشوارها ،، وذلك لان عمره الشعري كان قصيرا جدا .. وبالرغم من هذه المسافة بين ولادته شعريا .. ورحيله .. اغدق علينا ابداعا ما يتجاوز هذه المسافة بكثير .. اذ  انبثقت ومضات شعره من بين معاصريه تأخذ اشراقاتها ، فترسم له انجازا اصبحت له معاييره في رحلة الشعر العربي المعاصر .

                        **

                  قصــــــــــــــــــــــــــــــــائد

                             ارادة الحياة

 

إذا الشّعْبُ  يَوْمَاً  أرَادَ   الْحَيَـاةَ  

                                                فَلا  بُدَّ  أنْ       َيسْتَجِيبَ القَـدَر

 وَلا بُـدَّ  لِلَّيـْلِ أنْ  يَنْجَلِــي          وَلا  بُدَّ  للقَيْدِ  أَنْ   يَـنْكَسِـر

وَمَنْ  لَمْ  يُعَانِقْهُ  شَوْقُ  الْحَيَـاةِ        تَبَخَّـرَ  في  جَوِّهَـا   وَانْدَثَـر

فَوَيْلٌ  لِمَنْ  لَمْ   تَشُقْـهُ   الْحَيَاةُ        مِنْ   صَفْعَـةِ  العَـدَم  المُنْتَصِر

كَذلِكَ  قَالَـتْ  لِـيَ  الكَائِنَاتُ        وَحَدّثَنـي  رُوحُـهَا    المُسْتَتِر

 وَدَمدَمَتِ   الرِّيحُ   بَيْنَ   الفِجَاجِ     وَفَوْقَ  الجِبَال  وَتَحْتَ   الشَّجَر

 إذَا مَا  طَمَحْـتُ  إلِـى  غَـايَةٍ       رَكِبْتُ   الْمُنَى  وَنَسِيتُ   الحَذَر

وَلَمْ  أَتَجَنَّبْ  وُعُـورَ  الشِّعَـابِ       وَلا كُبَّـةَ  اللَّهَـبِ   المُسْتَعِـر

وَمَنْ  لا  يُحِبّ  صُعُودَ  الجِبَـالِ        يَعِشْ  أَبَدَ  الدَّهْرِ  بَيْنَ   الحُفَـر

فَعَجَّتْ  بِقَلْبِي   دِمَاءُ   الشَّبَـابِ        وَضَجَّتْ  بِصَدْرِي  رِيَاحٌ   أُخَر

وَأَطْرَقْتُ ، أُصْغِي لِقَصْفِ  الرُّعُودِ  وَعَزْفِ  الرِّيَاح  وَوَقْعِ  المَطَـر

وَقَالَتْ لِيَ الأَرْضُ - لَمَّا  سَأَلْتُ :  " أَيَـا أُمُّ  هَلْ تَكْرَهِينَ  البَشَر؟"

"أُبَارِكُ  في  النَّاسِ  أَهْلَ  الطُّمُوحِ  وَمَنْ  يَسْتَلِـذُّ رُكُوبَ  الخَطَـر

وأَلْعَنُ  مَنْ  لا  يُمَاشِي  الزَّمَـانَ    وَيَقْنَعُ  بِالعَيْـشِ  عَيْشِ  الحَجَر

هُوَ الكَوْنُ  حَيٌّ ، يُحِـبُّ  الحَيَاةَ        وَيَحْتَقِرُ  الْمَيْتَ  مَهْمَا  كَـبُر

فَلا  الأُفْقُ  يَحْضُنُ  مَيْتَ  الطُّيُورِ        وَلا النَّحْلُ يَلْثِمُ مَيْتَ الزَّهَــر

وَلَـوْلا   أُمُومَةُ    قَلْبِي   الرَّؤُوم      لَمَا ضَمَّتِ  المَيْتَ تِلْكَ  الحُفَـر

فَوَيْلٌ لِمَنْ  لَمْ  تَشُقْـهُ   الحَيَـاةُ      مِنْ   لَعْنَةِ   العَـدَمِ   المُنْتَصِـر!"

وفي   لَيْلَةٍ   مِنْ   لَيَالِي  الخَرِيفِ        مُثَقَّلَـةٍ  بِالأََسَـى   وَالضَّجَـر

سَكِرْتُ  بِهَا  مِنْ  ضِياءِ   النُّجُومِ     وَغَنَّيْتُ  لِلْحُزْنِ   حَتَّى  سَكِـر

سَأَلْتُ الدُّجَى: هَلْ  تُعِيدُ   الْحَيَاةُ      لِمَا   أَذْبَلَتْـهُ   رَبِيعَ    العُمُـر؟

فَلَمْ   تَتَكَلَّمْ     شِفَـاهُ    الظَّلامِ        وَلَمْ  تَتَرَنَّـمْ  عَذَارَى   السَّحَر

وَقَالَ  لِيَ  الْغَـابُ   في   رِقَّـةٍ        مُحَبَّبـَةٍ  مِثْلَ  خَفْـقِ  الْوَتَـر

يَجِيءُ  الشِّتَاءُ  ،  شِتَاءُ الضَّبَابِ  شِتَاءُ  الثُّلُوجِ  ، شِتَاءُ  الْمَطَـر   

فَيَنْطَفِىء السِّحْرُ ، سِحْرُ الغُصُونِ  وَسِحْرُ  الزُّهُورِ   وَسِحْرُ  الثَّمَر   

وَسِحْرُ  الْمَسَاءِ  الشَّجِيِّ   الوَدِيعِ  وَسِحْرُ  الْمُرُوجِ  الشَّهِيّ  العَطِر

وَتَهْوِي    الْغُصُونُ     وَأَوْرَاقُـهَا       وَأَزْهَـارُ  عَهْدٍ  حَبِيبٍ  نَضِـر

وَتَلْهُو  بِهَا  الرِّيحُ  في   كُلِّ   وَادٍ       وَيَدْفنُـهَا  السَّيْـلُ  أنَّى  عَـبَر

 وَيَفْنَى   الجَمِيعُ   كَحُلْمٍ   بَدِيـعٍ        تَأَلَّـقَ  في  مُهْجَـةٍ   وَانْدَثَـر

وَتَبْقَى  البُـذُورُ  التي   حُمِّلَـتْ       ذَخِيـرَةَ  عُمْرٍ  جَمِـيلٍ  غَـبَر

وَذِكْرَى  فُصُول ٍ ،  وَرُؤْيَا   حَيَاةٍ    وَأَشْبَاح   دُنْيَا   تَلاشَتْ   زُمَـر

مُعَانِقَـةً  وَهْيَ  تَحْـتَ الضَّبَابِ        وَتَحْتَ الثُّلُوجِ وَتَحْـتَ  الْمَدَر

لَطِيفَ  الحَيَـاةِ الذي  لا  يُمَـلُّ        وَقَلْبَ  الرَّبِيعِ   الشَّذِيِّ   الخَضِر

وَحَالِمَـةً  بِأَغَـانِـي  الطُّيُـورِ        وَعِطْرِ  الزُّهُورِ  وَطَعْمِ   الثَّمَـر

وَمَا  هُـوَ  إِلاَّ  كَخَفْـقِ  الجَنَاحِ       حَتَّـى  نَمَا شَوْقُـهَا  وَانْتَصَـر  

فصدّعت  الأرض  من    فوقـها     وأبصرت الكون  عذب  الصور

وجـاءَ    الربيـعُ      بأنغامـه        وأحلامـهِ  وصِبـاهُ   العطِـر

وقبلّـها   قبـلاً   في   الشفـاه        تعيد  الشباب الذي  قد   غبـر

وقالَ  لَهَا : قد  مُنحـتِ   الحياةَ        وخُلّدتِ  في  نسلكِ  الْمُدّخـر

وباركـكِ  النـورُ   فاستقبـلي        شبابَ  الحياةِ  وخصبَ   العُمر

ومن  تعبـدُ  النـورَ   أحلامـهُ        يباركهُ   النـورُ   أنّـى   ظَهر

إليك  الفضاء  ،  إليك  الضيـاء     إليك  الثرى   الحالِمِ   الْمُزْدَهِر

إليك  الجمال  الذي   لا   يبيـد        إليك  الوجود  الرحيب  النضر

فميدي كما  شئتِ  فوق  الحقول     بِحلو  الثمار  وغـض الزهـر

وناجي  النسيم  وناجي  الغيـوم     وناجي النجوم  وناجي  القمـر

وناجـي   الحيـاة   وأشواقـها        وفتنـة هذا الوجـود  الأغـر 

وشف  الدجى  عن  جمال عميقٍ     يشب  الخيـال ويذكي   الفكر

ومُدَّ  عَلَى  الْكَوْنِ  سِحْرٌ  غَرِيبٌ        يُصَـرِّفُهُ  سَـاحِـرٌ  مُقْـتَدِر

وَضَاءَتْ  شُمُوعُ النُّجُومِ  الوِضَاء وَضَاعَ  البَخُورُ  ، بَخُورُ   الزَّهَر

وَرَفْرَفَ   رُوحٌ   غَرِيبُ   الجَمَالِ       بِأَجْنِحَـةٍ  مِنْ  ضِيَاءِ   الْقَمَـر

وَرَنَّ  نَشِيدُ   الْحَيَاةِ    الْمُقَـدَّسِ       في  هَيْكَـلٍ حَالِمٍ  قَدْ  سُـحِر

وَأَعْلَنَ  في  الْكَوْنِ  أَنَّ   الطُّمُوحَ     لَهِيبُ الْحَيَـاةِ  وَرُوحُ الظَّفَـر

إِذَا   طَمَحَتْ   لِلْحَيَاةِ    النُّفُوسُ        فَلا  بُدَّ  أَنْ  يَسْتَجِيبَ  الْقَـدَرْ


مشاهدات 12
الكاتب مهند الياس
أضيف 2026/08/05 - 2:29 PM
آخر تحديث 2026/08/05 - 11:24 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1160 الشهر 5657 الكلي 16095361
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير