على هامش معرض بغداد الدولي للكتاب
مصلح على العرش.. قابوس بن سعيد كما رآه كاتب روسي
بغداد - حمدي العطار
في جناح الكتب التي تستعيد تجارب القادة الذين تركوا أثراً في تاريخ بلدانهم، يلفت كتاب «مصلح على العرش: قابوس بن سعيد سلطان عُمان» للكاتب والصحفي الروسي سرجي بليخانوف، المترجم إلى العربية عن طريق خيري الضامن والصادر عام 2004، الكتاب بوصفه محاولة لتوثيق تجربة السلطان قابوس بن سعيد ومسيرة التحولات التي شهدتها سلطنة عُمان الحديثة. فالكتاب لا يكتفي بتقديم سيرة شخصية، وإنما يربط بين حياة السلطان والتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها عُمان منذ توليه الحكم عام 1970.
يقع الكتاب في نحو 414 صفحة، ويتألف من ستة عشر فصلاً، تبدأ بـ»خريف القلق» وتنتهي بـ«الأوركسترا وقائدها»، مروراً بعناوين مثل «عُمان و انتشار الإسلام»، و»التدخل الغربي»، و»المحافظة على التوازن»، و»الفجر الجديد»، و»معركة كسب القلوب»، و»النهضة»، و»من أجل المستقبل. وهي عناوين تكشف منذ البداية عن محاولة المؤلف قراءة شخصية قابوس ضمن سياق تاريخي أوسع، لا بوصفه سلطاناً فحسب، وإنما باعتباره قائداً ارتبط اسمه بمشروع تحديث الدولة العُمانية.
مرحلة التحول
يتتبع بليخانوف حياة قابوس منذ ولادته عام 1940، وتكوينه التعليمي والثقافي خارج عُمان، ثم يعود إلى الظروف الصعبة التي كانت تعيشها البلاد قبل عام 1970. ومن هذه الخلفية ينتقل إلى مرحلة التحول التي بدأت مع تولي قابوس الحكم، وما رافقها من بناء مؤسسات الدولة الحديثة وإنهاء تمرد ظفار والانفتاح على العالم وتبني سياسة خارجية اتسمت بالهدوء والتوازن والبحث عن السلام.
ولعل اختيار المؤلف كلمة «مصلح» في عنوان الكتاب بدلاً من «سلطان» أو «حاكم» ليس اختياراً عابراً، فهي تختصر رؤيته لشخصية قابوس ومشروعه، وتضع الإصلاح والتحديث في مركز التجربة التي يحاول الكتاب قراءتها. كما أن المؤلف لا يعتمد على الوثائق والمراجع وحدها، بل يستند إلى مقابلات مع شخصيات سياسية ومثقفين ومواطنين، الأمر الذي يمنح السرد بعداً ميدانياً ويقرب القارئ من تفاصيل التجربة العُمانية.
ومن الجوانب اللافتة في الكتاب محاولة إبراز العلاقة بين الأصالة والحداثة، إذ يرى المؤلف أن عملية بناء الدولة لم تكن قطيعة مع الماضي، بل سعت إلى الحفاظ على الخصوصية الثقافية والاجتماعية لعُمان، مع الاستفادة من منجزات العصر. كذلك يتوقف عند سياسة المصالحة التي اتبعها قابوس في التعامل مع خصومه السياسيين، وما تركته من أثر في استقرار البلاد وتجاوز مرحلة الصراع.
ملاحظات نقدية
ومع ذلك لا يخلو الكتاب من ملاحظات نقدية. فالتعاطف الواضح مع شخصية قابوس يجعل بعض فصوله أقرب إلى السيرة الاحتفائية منها إلى القراءة النقدية الصارمة، إذ لا تحظى بعض التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بما يكفي من التحليل المعمق. كما أن كون المؤلف روسياً وأجنبياً عن البيئة العُمانية يمنحه، من جهة مسافة تساعده على الملاحظة والمقارنة لكنه يجعله من جهة أخرى أقل قدرة على النفاذ إلى بعض التفاصيل الداخلية التي يدركها أبناء المجتمع أكثر من غيرهم.
ومع ذلك يبقى «مصلح على العرش» جهداً مهماً في توثيق مرحلة مفصلية من تاريخ عُمان، لأنه يجمع بين السيرة والتاريخ والتحليل، ويقدم للقارئ صورة عن رجل ارتبط اسمه بتحولات واسعة في بلاده. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب اليوم، لا باعتباره مجرد سيــــــــرة لسلطان رحــــل، وإنما باعتباره وثيقة تقرأ تجربة دولة اختارت أن تصنع تحولها بـــــــــهدوء، وأن تجعل من التوازن والمصــــــــالحة والانفتاح أدوات لبناء المستقبل.