حين فهمت سرّ البيوت الأربعة
نوال الجراح
أؤمن أنّ ا أحداث التي تتكرر في حياتنا ليست مجرد مصادفات عابرة، بل محطات تستحق التأمل فالحياة لا تُكرر المشهد عبثًا، وإنما تمنح الإنسان فرصة أخرى ليفهم درساً ربّما لم يلتقط معناه في المرة الأولى.
منذ أكثر من عشرين عاماً وبعد زواجي عشتُ تجربة تكررت معي عدة مرات بصورة بدأت تلفت بصيرتي وتلمُس شيئاً بداخلي منذ مدة.
كلُّ بيتٍ سكنته لسنوات كان يستقبلني مُثقلاً بالإهمال، يحتاج إلى جهد ووقت حتى يعود مكاناً صالحاً للحياة. وما أن أفرغ من ترميمه وإحيائه، حتى تدفعني الرغبة أو ظروف الحياة إلى بيعه والإنتقال إلى بيتٍ آخر. لم يكن الأمر مجرد تغييرٍ للعنوان، بل كانت هناك حكاية واحدة تتكرر في كل مرّة، وكأنّ الحياة تُعيد إليَّ الدرس نفسه بثوبٍ مختلف.
وأنا أستذكر تلك القصّة مالفت إنتباهي أكثر من الجدران المُتعبة والأسقف التي تحتاج الى إصلاح هو ما يرددهُ جيراني خلال زيارتهم الأولى لي ليهنؤنني على البيت الجديد، عبارة تكررت على مسامعي أكثر من مرة، لقد ارتحنا من الجار القديم المزعج المُؤذي للحيّ ويشكروني لعودة الهدوء للحيّ من جديد.
بعد تكرار هذا وجدتُ نفسي أتساءل :
هل هي مجرد صدفة؟
ام في تكرارها ما يدعو للتأمل؟
عندها راودني شعور،
ما يلهمك الله به من خاطر ليس صدفة، ربما رسالة ربّانية!
وبما أني أؤمن أنّ الغيب لايعلمه الا الله سبحانه، لكنّي أيضاً أُدرك أنّ المُؤمن الفطٌن لايمرُّ على الاحداث المُتكررة مروراً عابراً بل يسأل نفسه دائماً
ماذا يريد الله ان يعلّمُني من هذا الموقف؟
ماالحكمة التي يغفل عنها بصري لأول وهلة؟
ومع مرور السنوات بدأتُ أرى المشهد بشكل أعمق ومن زاوية مختلفة،
فانكشفت لي معانٍ لم أكن أراها من قبل، وتبدّد ذلك التعب والحيرة اللذان رافقاني طويلًا وأنا أحاول فهم ما حدث في الماضي.
كنتُ أظنّ أنني أرممُ بيوتًا أهملها أصحابها، ثم أدركتُ أنّ الله، في الوقت نفسه، كان يرممُ شيئًا في داخلي. فربّما لم تكن البيوت وحدها هي المقصودة، بل كنتُ أنا أيضًا مشروعًا يتشكل بالصبر، والعمل، والإصلاح.
لقد علمتني تلك البيوت أنّ القيمة الحقيقية لا تُقاس بما يبدو للعين أولَّ مرّة. فالبيت المُهمل قد يخفي جمالًا ينتظر من يكتشفهُ، كما أنّ الإنسان قد يحمل في أعماقه طاقات لا تظهر إلا إذا وجدَ من يُؤمن بها ويمنحها فرصة للنهوض.
وعلّمتني أيضًا أنّ حُسن الخلق أعظم أثرًا من جمال البناء. فالبيوت قد تتجدد في أشهر، أما الذكر الطيّب الذي يتركه الإنسان بين الناس، أو الأذى الذي يخلّفه وراءه، فقد يبقى سنوات طويلة بعد رحيله.
وحين أنظر إلى تجربتي في الكتابة، أجد خيطًا واحدًا يربط بينها وبين تلك البيوت. فأنا أكتب عن إصلاح الأفكار، والتعافي من صدمات الطفولة، وبناء الأسرة، وترميم العلاقات الإنسانية. وكأنّ الترميم لم يكن يومًا مهنة تتعلق بالحجر، بل رسالة تمتد إلى النفس، والفكرة، والقلب، والمجتمع.
ربما يُهيئ الله بعض عباده ليكونوا سببًا في العمران بعد الخراب؛ عمران البيوت، أو عمران النفوس، أو عمران العلاقات. وليس المهم أن نعرف على وجه اليقين لماذا تكررت الاحداث، وإنّما المهم ألا نفقد القدرة على الإصغاء لما تُعلّمنا إياه.
لعلّ أجمل ما تمنحه لنا التجارب المتكررة أنها تُوقظ فينا سؤالًا لا ينبغي أن يموت:
ماذا يريد الله أن يُعلمني من هذا كلّه؟
قد لا نجد الإجابة كاملة، وقد تبقى بعض الحِكَم غائبة عنّا، لكن يكفينا أن نظل أصحاب قلوب يقظة، ترى في كل تجربة فرصة للنضج، وفي كل تكرار دعوة جديدة للتأمل، وفي كل نعمة مسؤولية، وفي كل إصلاح طريقًا يقود إلى إصلاح أنفسنا قبل كلّ شيء.
فما الذي يتكرر في حياتك أنت؟
لعل هناك باباً من الحكمة ينتظر أن تفتحه، ورسالة لا تزال تنتظر منك أن تُحسن الإصغاء إليها.
وما أجمل أن نمضي في الحياة بقلوب شاكرة، لا تبحث عن تفسير كل شيء، بل تُحسن استقبال الدروس التي يهبها الله لعباده في طيّات الأيام.
إذا كرر الله لك موقفًا نافعًا، فاسأل نفسك:
أي صفة فيَّ يريد الله أن ينمّيها ؟
وأحب عبارة قالها حد العلماء في باب التأمل:
إذا تكرر عليك فضلٌ من الله، فلا تكتفِ بشكره، بل ابحث عن الوظيفة التي يريدك أن تقوم بها.