دولة القانون تبدأ من رأس السلطة
عباس النوري
هناك لحظات في تاريخ الأمم لا يختبر فيها السياسي بقدر ما يختبر الإنسان الذي بداخله. لحظات يصبح فيها المنصب أقل قيمة من الضمير، ويصبح التاريخ هو القاضي الحقيقي، لا صناديق الاقتراع ولا التحالفات السياسية.
إذا كانت معركة مكافحة الفساد قد بلغت مرحلة أصبح فيها كل طرف يلوّح بملفات ضد الطرف الآخر، فهذا يعني أن العراق يقف أمام أخطر معادلة عرفتها الدول الحديثة: منظومة فساد تمتلك وسائل الدفاع عن نفسها.
وحين تصبح الملفات المتبادلة سلاحًا للابتزاز السياسي، فإن الرسالة تكون واضحة: "إذا كشفتني... كشفتك."
وهنا ينتهي دور السياسة، ويبدأ دور رجل الدولة.
لقد نُقل عن دولة رئيس الوزراء أنه مستعد للتضحية. وإذا كانت هذه الكلمات قد قيلت عن قناعة، فإن لحظة ترجمتها إلى موقف قد حانت.
إن أعظم تضحية لا تكون بتقديم الآخرين إلى القضاء، وإنما بأن يبدأ الإنسان بنفسه.
تخيلوا لو خرج رئيس الوزراء أمام الشعب العراقي قائلاً:
"إذا كان لدى أي جهة رقابية أو قضائية ملف يتعلق بي شخصيًا، فأنا أول من يمثل أمام القضاء، وأول من يتنازل عن أي حصانة، ولن أطلب لنفسي ما أرفضه لغيري. القانون فوق الجميع، وأنا أول الخاضعين له."
عندها لن يكون قد دافع عن نفسه، بل سيكون قد أسقط آخر ذرائع الفاسدين.
فمن يستطيع بعد ذلك أن يبتزه؟
ومن يستطيع أن يساومه؟
ومن يستطيع أن يقول له: لدينا ملفات ضدك؟
إن الذي يضع نفسه تحت سلطة القضاء لا يعود أسيرًا لأي ملف، لأن العدالة أصبحت خياره، لا سيفًا مسلطًا عليه.
إن الفرق بين رجل السياسة ورجل الدولة هو أن الأول يحاول إنقاذ مستقبله السياسي، أما الثاني فيحاول إنقاذ وطنه ولو خسر مستقبله الشخصي.
قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:
"الحق لا يُعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله."
ولو أردنا ترجمة هذه الحكمة إلى لغة الدولة الحديثة لقلنا:
لا تُعرف العدالة بالأشخاص، بل تُعرف بخضوع الجميع لها.
لقد تعب العراقيون من رؤية عبارة "القانون فوق الجميع" معلقة على الجدران، بينما يشعر المواطن البسيط أنها تُطبق على من سرق رغيفًا، ولا تُطبق على من اتُّهم بسرقة مليارات المال العام.
دولة القانون لا تُقاس بعدد اللافتات، وإنما بعدد الرؤوس الكبيرة التي يمثل أصحابها أمام القضاء كما يمثل المواطن البسيط.
ولهذا، فإن نجاح أي حملة لمكافحة الفساد لن يتحقق باعتقال صغار الموظفين أو بعض المسؤولين، بل عندما يشعر العراقي أن ميزان العدالة لا يفرق بين وزير ونائب ومدير عام ورئيس حكومة ومواطن عادي.
قد تكون هذه الطريق مكلفة سياسيًا، لكنها الطريق الوحيدة التي تصنع الدول.
فالتاريخ لا يخلد من حافظ على كرسيه، بل يخلد من خاطر بكرسيه من أجل وطنه.
ومن يبيع ضميره ليكسب الدنيا يخسر الدنيا والآخرة، أما من يضحي بمنصبه من أجل وطنه وعدالة شعبه، فقد يخرج من السلطة، لكنه يدخل التاريخ من أوسع أبوابه.
إن العراق اليوم لا يحتاج إلى بطل ينتصر على خصومه، بل يحتاج إلى قائد ينتصر على نفسه أولًا، ويعلن أن العدالة لا تبدأ من خصومه، بل تبدأ منه.
هذه هي الرسالة التي ينتظرها العراقيون...
أن يروا مسؤولًا كبيرًا يقول بملء إرادته:
"إن ثبتت عليّ مخالفة للقانون، فأنا أول من يقف أمام القضاء، وأول من يتحمل المسؤولية، لأن الوطن أكبر من الأشخاص، والدولة أكبر من المناصب، والقانون أكبر من الجميع."
عندها فقط، لن تكون معركة مكافحة الفساد حملة حكومية عابرة، بل ستكون ولادة جديدة للدولة العراقية.