الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق بين جيلين .. بالأمس رهنونا بطاغية واليوم يرهنوننا بالفاسدين

بواسطة azzaman

العراق بين جيلين .. بالأمس رهنونا بطاغية واليوم يرهنوننا بالفاسدين

راجي العوادي

 

في تاريخ الأمم التي تمر بتحولات سياسية كبرى، كثيرًا ما تتبدل الأنظمة بينما تبقى أدوات الهيمنة على الوعي الجمعي كما هي , فالسلطة التي تعجز عن بناء شرعيتها على أساس الإنجاز والكفاءة والعدالة ، تلجأ إلى صناعة الخوف ، وتقديم نفسها باعتبارها الشر الأقل أو الخيار الوحيد. وهكذا يتحول المواطن إلى رهينة لسردية سياسية تقوم على المقايضة بين الحرية والخوف ، وبين الإصلاح والانهيار.

قبل عام 2003، كانت آلة النظام الإعلامية والسياسية تختزل العراق، بتاريخه وحضارته ومؤسساته ، في شخص الحاكم . وكانت الرسالة التي تُضخ يوميًا في وعي الناس واضحة , فإذا سقط النظام , سقط العراقلم يكن ذلك مجرد شعار دعائي ، بل كان استراتيجية متكاملة لتكريس الاستبداد ، عبر ربط بقاء الوطن ببقاء السلطة وتصوير , أي تغيير سياسي بوصفه بداية للفوضى والاحتلال والتقسيم , وهكذا أصبح الخوف أداة للحكم ، وأصبح الاستقرار مرادفًا لاستمرار الدكتاتورية.

وبعد أكثر من عقدين ، تبدلت الوجوه وتغيرت الشعارات ، لكن المنطق السياسي ذاته عاد بثوب جديد , فبدل الدفاع عن الحاكم الفرد ، أصبح الدفاع عن منظومة المحاصصة والفساد . وبدل مقولة  إذا سقط النظام سقط العراق ، تُطرح اليوم مقولة لا تقل خطورة إذا حورب الفساد سقطت العملية السياسية . بل إن بعض الأصوات ذهبت إلى حد الادعاء بأن الفساد أقل ضررًا من الفوضى ، وكأن نهب المال العام أصبح ثمنًا مقبولًا للاستقرار، أو أن حماية شبكات المصالح شرطٌ لبقاء الدولة.

إن هذه السردية ليست سوى إعادة إنتاج لسياسة التخويف القديمة، لكنها هذه المرة تُمارس باسم الديمقراطية لا باسم الدكتاتورية . فكما استُخدم شبح التقسيم بالأمس لحماية السلطة ، يُستخدم اليوم شبح الحرب الأهلية والانهيار الأمني لحماية الفاسدين ، وكأن الإصلاح هو الخطر الحقيقي ، لا الفساد ذاته.

وفي علم السياسة ، تُعرف هذه الممارسات بأنها محاولة لاستبدال شرعية الإنجاز بـ شرعية الخوف ؛ فعندما تعجز السلطة عن إقناع المواطنين بما حققته من تنمية وعدالة وخدمات ، تلجأ إلى إقناعهم بأن البديل سيكون أكثر سوءًا. إنها ليست شرعية قائمة على النجاح , وإنما على الابتزاز النفسي والسياسي .

الأخطر من ذلك أن منظومة الفساد لا تكتفي بسرقة الموارد ، بل تعمل على أسر الدولة ، أي تحويل مؤسساتها وقوانينها وقراراتها إلى أدوات لخدمة شبكات النفوذ بدل خدمة المواطنين . وعندما تصل الدولة إلى هذه المرحلة ، يصبح الفساد جزءًا من بنية الحكم ، لا مجرد انحراف فردي يمكن معالجته بسهولة. وهنا يتحول الدفاع عن الفساد إلى دفاع عن مصالح طبقة سياسية كاملة ، لا عن استقرار الوطن.

إن التجارب الدولية تثبت أن الدول لا تنهار بسبب مكافحة الفساد ، بل تنهار عندما يصبح الفساد هو القاعدة الحاكمة. فلم تسقط دول مثل سنغافورة أو جورجيا أو رواندا لأنها واجهت الفساد ، وإنما بدأت مسيرة نهوضها الحقيقي عندما جعلت سيادة القانون فوق نفوذ السياسيين والمصالح الضيقة . وعلى العكس من ذلك ، فإن كثيرًا من الدول التي انهارت اقتصاديًا ومؤسساتيًا كانت قد وصلت إلى مرحلة اعتبرت فيها الفساد أمرًا واقعًا لا يجوز المساس به.

وفي الحالة العراقية ، لا يمكن فصل الأزمات الاقتصادية والخدمية والبطالة وتراجع التعليم والصحة وهجرة الكفاءات عن البنية العميقة للفساد . فالفساد ليس مجرد سرقة أموال ، بل هو تدمير ممنهج لقدرة الدولة على التخطيط والتنمية وتقديم الخدمات وتحقيق العدالة. وكل دينار يُنهب من المال العام يعني مدرسة لم تُبنَ ، ومستشفى لم يُجهَّز، وطريقًا لم يُعبَّد ، وفرصة عمل ضاعت على شاب ينتظر مستقبله.

ولذلك فإن المقولة التي تزعم أن الفساد يحمي الاستقرار ليست مجرد مغالطة سياسية ، بل قلبٌ كامل للحقائق . فالفساد هو المنتج الأول للفوضى ، لأنه يقوض ثقة المواطن بالدولة، ويضعف المؤسسات، ويشجع الإفلات من العقاب ، ويغذي اقتصاد الظل ، ويُنتج بيئة خصبة للعنف والتطرف والانقسام المجتمعي . إنه يؤجل الانفجار، لكنه لا يمنعه، تمامًا كما يؤجل المسكن الألم دون أن يعالج المرض .

إن المنظومة السياسية التوافقية تسعى إلى مأسسة الفساد ليصبح أحد أعمدة السلم السياسي ، بحيث يُطلب من المواطن أن يقايض حقوقه وثرواته مقابل استقرار هش ، تحكمه تفاهمات النخب أكثر مما تحكمه القوانين , وهذه المقايضة ليست سوى امتداد لفلسفة سياسية قديمة، قوامها أن الخوف أهم من الحرية ، وأن الصمت أفضل من المطالبة بالإصلاح.

لقد أثبت التاريخ أن الأنظمة لا تسقط لأنها واجهت أخطاءها ، وإنما لأنها أصرت على حمايتها. والنظام السابق لم ينهَر بفعل العامل الخارجي وحده ، بل لأنه كان قد استنفد شرعيته وتآكلت مؤسساته من الداخل . واليوم يواجه العراق خطرًا مشابهًا ؛ فاستمرار الفساد يعني استمرار التآكل البطيء للدولة ، حتى وإن بدا المشهد الخارجي مستقرًا.

إن المطلوب اليوم ليس استبدال منظومة بأخرى ، وإنما كسر منطق المقايضة ذاته ؛ فلا يجوز أن يُخيَّر العراقي بين الدكتاتورية والفوضى ، أو بين الفساد والانهيار. فهذه معادلات زائفة صُممت لإدامة السلطة لا لحماية الوطن.

ختامًا ، يحتاج العراق إلى وعي وطني جديد يدرك أن قوة الدول لا تُقاس بقدرة الفاسدين على البقاء ، بل بقدرتها على محاسبتهم . فالدول تُبنى بالمؤسسات ، وسيادة القانون ، واستقلال القضاء، والشفافية ، والعدالة، لا بالخوف ولا بالمساومات. وكما لم يمت العراق بسقوط الدكتاتورية، فإنه لن يسقط إذا سقطت شبكات الفساد، بل على العكس، سيكون ذلك بداية استعادة الدولة لوظيفتها الحقيقية، واستعادة المواطن لثقته بوطنه.

ان الحقيقة التي يؤكدها التاريخ ، فهي أن الأوطان لا يحميها الطغاة ولا الفاسدون، وإنما يحميها شعبٌ حر، ومؤسساتٌ عادلة ، وقانونٌ يُطبق

على الجميع بلا استثناء.

مقال ذات صلة : العراق أمام الخيار الصعب .. استئصال رؤوس الفساد الكبيرة أو الغرق الجماعي في مستنقعه .. نشور في 14-6-2026 بجريدة الزمان

*اكاديمي وكاتب مستقل

 


مشاهدات 87
الكاتب راجي العوادي
أضيف 2026/07/05 - 3:31 PM
آخر تحديث 2026/07/06 - 12:55 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 66 الشهر 5384 الكلي 15910511
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير