صَوْنُ النَّفسِ عن الدَّنَس
غزاي درع الطائي
في زمنٍ أطغت فيه المغريات على المبادئ، وأصبحت النفوس في مرمى التَّحديات، ولم يعد السؤال أمامنا: ماذا نملك؟ بل ماذا بقي من أنفسنا؟، وما الذي فعلناه لنغيِّر ما في أنفسنا؟.قال البحتري (ت284هـ)، الذي عُرف ببلاغة القول الشعري وبدقة الوصف، والذي يوصف شعره بأنه (سلاسل ذهب)، في سينيَّته:
صُنْتُ نفسي عما يُدنِّس نَفْسي وترفَّعْتُ عن جَـــــدَا كلِّ جِبْسِ
وهو هنا يفتخر بأنه صان نفسه عن كل ما يدنِّسها، وأنه ترفَّع عن طلب العطاء من اللئيم، فقال الجواهري (1899ــــ 1997) ردّا عليه، في قصيدة له عنوانها (يا نديمي) كتبها عام 1971:
كَذَبَ البُحتريُّ إذ قـــالَ أمسِ: (صنتُ نفسي عمّا يدنِّسُ نفسي)
دَنَسُ النَّفْس ِ حُلَّةٌ مِنْ دِمَقْس ِ لن تُغطّى ولــــو بمليونِ عُرْس ِ
وبين البحتري والجواهري أقف لأقول: في زماننا الذي تعصف به المغريات ويصطخب بالمطامع الكثيرة، وبالفساد الذي أفسد كلَّ شيء في البلاد، يجد الإنسان نفسه أمام تحدٍّ كبير، وامتحان خطير، يجعله يردِّد، من حيث يدري أو لا يدري، صيحة شكسبير التي سمعها العالم كله: أكون أو لا أكون؟، فإن صنت نفسك عن الدَّنَس فأنك بهذا (تكون)، وإن لم تصن نفسك عمّا يدنِّسها، فإنَّك من دون شك ستفقد أهم ما يجعلك جديراً بأن (تكون). إنني أنتظر من يجرؤ على أن يقول اليوم كما قال البحتري بالأمس: (صُنْتُ نفسي عما يُدنِّس نَفْسي)، أقول قولي هذا وأعلم أن هذا القول مطلوب من الجميع، وهو واجب الجميع، من أعلى المناصب إلى أبسطها، ومن أكبر الناس إلى أصغرهم، فمن هناك مَن يهلُّ علينا بالبشرى ويقول: (صُنْتُ نفسي عما يُدنِّس نَفْسي)، وهل هذا أمر صعب؟، نعم أنه صعب بل على درجة عالية من الصعوبة، ولكن إذلال النفس بعدم صونها من الدَّنس أصعب. طوبى لمن يمنع نفسه من أن تقع في مهاوي الدَّنس، ويحفظها من الانزلاق في قيعان السمعة السيِّئة، ويمنعها من أن تُهدر كرامتها، وأن يُقَلَلَ من احترامها، وأن تهتزَّ قيم الكرامة والمروءة والشرف فيها.(صُنْتُ نفسي عما يُدنِّس نَفْسي) قالها البحتري قبل أكثر من ألف عام، فمن يقولها اليوم؟، فالأمم لا تحفظها القوانين وحدها، ولا تحميها مؤسساتها فقط، بل يحفظها ويحميها رجالها ونساؤها الذين صانوا أنفسهم من الدَّنس، لتكون أوطانهم مصانة عن كلِّ ما يدنِّسها.