الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مسؤولية الكاتب وقلق القارئ: في أخلاقيات الأدب عند ليفيناس


مسؤولية الكاتب وقلق القارئ: في أخلاقيات الأدب عند ليفيناس

عادل الثامري

 

مقدمة

لا يبدأ الأدب، في أفق إيمانويل ليفيناس، من رغبة الأنا في التعبير عن ذاتها، وانما من صدمة اللقاء بالآخر التي تربك طمأنينة الذات وتُخرجها من سكونها الأنطولوجي. فالكتابة هنا ممارسةٌ لـلمسؤولية اللامتناهية التي تجعل الكاتب مرتهناً بحضور الآخر قبل أن يكون سيد نصه. أحدث ليفيناس تحولاً في فهم الذاتية ، وانتقل بها من هيمنة الأنانية  التي تطبع الفلسفة الغربية التقليدية من ديكارت إلى هوسرل، إلى ذات مؤسَّسة أصلاً على الاستجابة والمسؤولية الأخلاقية تجاه الآخر. فالكاتب لا يكتب انطلاقاً من ملءٍ ذاتي مما يعني ان الكتابة هي استجابةٌ لنداءٍ يسبق الكاتبَ ويُلزمه بالشهادة والحقيقة.

يتحول القارئ في الفضاء الأدبي الى شريك فاعل يستجيب لالتزام أخلاقي يتجاوز الأطر البنيوية للسرد. وبذلك، تتحول القراءة من فعل استمتاع إلى فعل "ضيافة" وانكشاف أمام غريب يرفض أن يُختزل في كلمات. تُمثّل اكتابة الأدبية عند لفيناس فضاء توتر وجودي تتحدد فيه دلالة النص داخل المسافة الرابطة بين مؤلفٍ متحرر من سلطة النص وقارئٍ يفتقر لليقين التأويلي؛ وبذلك تتأسس الأخلاق كبنية اساسية للفعل الجمالي .

مسؤولية الكاتب

تتجسد الكتابة عند ليفيناس في فعلٍ أخلاقيٍّ يستمد كينونته من الاستجابة للخارج الجذري الذي يمثله وجه الآخر. ويتمثل وجه الآخر في عُريه وضعفه كأمرٍ أخلاقيٍّ صريحٍ يفرض مسؤوليةً وجوديةً تجاهه. تنعكس هذه المسؤولية في السياق الأدبي عبر التزام الكاتب بصون كينونة شخوصه، وحماية خصوصية الآخر من الاختزال في الأغراض الوظيفية للحبكة أو القوالب الأيديولوجية الجامدة. يتجلى الوجه الإنساني، عند ليفيناس، بوصفه ظاهرة ملتبسة تحضر في العالم وتتعالى عليه في آنٍ واحد، وهو الأمر الذي يفرض على الكاتب اعتماد مقاربة نقدية تحترم انفلات الآخر من محاولات التنميط أو الاحتواء الكلي.

تستدعي هذه المقاربة تمييز ليفيناس الجوهري بين "القول" (le Dire)و"المقول"(le Dit)؛ فـ"القول" هو الفعل الانكشاف الأخلاقي للذات في علاقتها مع الآخر، وهو ما يُميّز الكتابة الإبداعية الحقيقية عن مجرد التوثيق. أما "المقول" فهو ما استقر من معنى، بعد فقدان حيويته المتعالية وتحوله إلى حضورٍ كينونيٍّ ثابت. يمكن قراءة التمييز الليفيناسي بين «القول» و«المقول» بوصفه انتقالاً من بنية نحوية رمزية تقوم على الرفع nominative إلى بنية تقوم على النصب accusative؛ فـ«القول» يضع الذات في حالة مساءلة أمام الآخر، أي في موقع نصب أخلاقي، في حين يستقر «المقول» في بنية خطابية مرفوعة تندرج داخل نظام المعرفة والتمثيل. وفي هذا المنظور يغدو التحول من الرفع إلى النصب انتقالاً من ذاتٍ متصدّرة للجملة إلى ذاتٍ تُستدعى للمساءلة أمام وجه الآخر، وهو ما يمنح العلاقة الأخلاقية أولوية على الاستقرار الدلالي. وعلى الرغم من أن ليفيناس لا يقدّم تحليلاً نحوياً بالمعنى التقني، فإن هذه المقابلة تُتيح فهماً رمزياً لطبيعة الانقلاب الذي تقترحه فلسفته: إذ يصبح النحو استعارةً دلالية تكشف تحوّل مركز الثقل من الكينونة إلى المسؤولية، ومن بنية الجملة إلى أخلاقيات الخطاب.

اعتمد ليفيناس صيغة المصدر (Le Dire) لتمثيل حركية المعنى المنفتحة على اللانهائي، متجاوزاً محددات الشخص والعدد التي تقيّد التدفق الأخلاقي. وبوصفها وعاءً للانفتاح الدائم، تحمي هذه الصيغة الفعل اللغوي من التشيوء داخل البنى الزمنية أو القوالب الذاتية الضيقة. تتجلى مسؤولية الكاتب في الحفاظ على حيوية 'القول' بوصفه تدفقاً مستمراً يتجاوز القوالب النهائية 'للمقول'، مما يضع القارئ في مواجهة دائمة مع أبعاد لا نهائية تتخطى حدود الاستيعاب اللفظي.

ولعل أوضح تجلّيات هذا الالتزام في الكتابة ما نجده عند دوستويفسكي، الذي أولاه ليفيناس اهتماماً خاصاً. فمقولة أليوشا كارامازوف "كلٌّ منا مسؤولٌ أمام الجميع عن الجميع، وأنا أكثر من سواي" ليست تعبيراً عاطفياً بل هي العبارة التي عدّها ليفيناس الصياغة الأدبية الأكثر عمقا لفكرة المسؤولية اللامتناهية. ان شخصيات الإخوة كارامازوف لا تتطابق مع ذواتها ؛ فهي تعيش في حالة انفصال دائم بين ما تفعله وما تعانيه. وهذا هو ما يجعل دوستويفسكي كاتباً مسؤولاً بالمعنى الذي يقول به ليفيناس،  إذ إنه لم يُسوِّ التوتر، ولم يمنح شخصياته يقيناً لا تستحقه، بل أبقاها في عُرْيها أمام الآخر ومطالباته.

وعلى النقيض من طغيان الكلمة عند دوستويفسكي، يجد ليفيناس عند الشاعر بول سيلان نفسه مُلزَماً بحدٍّ أقسى: الشهادة على ما يستعصي التعبير عنه. إن 'الكلمة المضادة' في شعر سيلان فعلٌ أدائي يُجسّد حالة النصب الأخلاقي أعمق صورها؛ فالقصيدة لا تصف الاختفاء بل تُقدّمه، ولا تحكي النسيان بل تُجسّده. الشاعر هنا ليس سيد لغته بل رهينتها، مُلاحَقاً بوجه الضحية الذي تعجز اللغة عن استيعابه وتأبى الصمت عنه. وهذا هو الإشكال الذي يطرحه ليفيناس على الكتابة في أعنف صوره: كيف تكون 'قولاً' أميناً لما لا يُقال؟

بيد أن هذه المسؤولية تضع الكاتب في موقع أخلاقي إشكالي يتجلى في الانتقال من حالة الرفع إلى حالة النصب؛ أي من الأنا المتمركزة حول ذاتها إلى الذات التي توجد في مواجهة الآخر — وهو انتقال تكشف عنه اللغات بتجليات متباينة الدرجة والعمق. ففي العبرية تُدمج Hineni أداة التنبيه والضمير المتصل في موضع المفعول ليُسلِّم الأنا نفسه استجابةً لنداء سابق على أي اختيار، وهو بالضبط ما يترجمه ليفيناس بـme voici الفرنسية التي تُجسّد هذا النصب نحوياً بصرامة، إذ يستحيل استبدال me المفعولية بـje الفاعلية، فيجد الأنا نفسه مَعروضاً في حضرة الآخر وفي خدمته لا بوصفه اختياراً حراً بل بوصفه استجابةً لنداء لا يُعلَن ابتداءً بل يُكتشف في فعل الكتابة ذاته. غير أن ليفيناس، رغم قلبه للكوجيتو الديكارتي، يبقي على الأنا حاضرةً حتى في تسليمها — فهي ذات مستدعاة ومسؤولة، لكنها لا تزال ذاتاً، والعلاقة بين طرفين لا تنهار بل تتأسس. وهذا هو ما يُميّز الأدب العظيم: أي الأدب الذي لا يكتفي بتصوير النصب بل يُعيد صياغته بوصفه الشرط الأخلاقي الأصيل لوجود الكاتب في مواجهة الآخر — بل ربما تجاوز هذه المواجهة نحو ذوبان لا تُحيط به مقولات الفلسفة الغربية.

قلق القارئ

إذا كانت الكتابة عند ليفيناس استجابةً لنداء سابق على الذات، فإن القراءة هي 'صدمة' تُخرج الذاتَ من عزلتها لتضعها في أتون المسؤولية. القارئ، هنا، لا يبحث عن 'المتعة الآمنة' أو تأكيد قناعاته الشخصية، بل يجد نفسه أمام نص يمارس عليه نوعاً من السلطة الأخلاقية التي تسبق أي تأويل؛ إذ إن الكلمة هنا لا تُقرأ لـتُفهم فحسب، بل لـتُطاع كأمر أخلاقي يربطنا بمصير الآخر. فالآخر، كما يُقرر ليفيناس، يتجلى بوصفه إزعاجاً يخرجنا عن مساراتنا المألوفة؛ وغرابة الآخر ليست معطىً ثابتاً بل حدثٌ يقع في لحظة القراءة، حين ترفض شخصيات النص أن تُفهَم بشكل نهائي أو تُصنَّف ضمن خانات جاهزة. هذا الرفض هو منبع "القلق" الذي يُعنوَن به حضور القارئ أمام النص.

تتحول القراءة هنا من فعل "استهلاك" إلى فعل ضيافة، بالمعنى الليفيناسي العميق للكلمة؛ إذ يكون القارئ مطالَباً بفتح حدوده النفسية والمعرفية لاستقبال غريب —النص/الآخر— قد يُربكه ويُغيّر ثوابته. والقلق هنا ليس سلبياً بل انه محرّكٌ أخلاقي يُنبّه الذات إلى ضعفها أمام الآخر؛ ويدرك القارئ أن المسؤولية هي ما تمنح الذات فرادتها. فحين يتألم القارئ لألم شخصية ورقية، فهو يُمارس أسمى درجات "الأنا" في تصور ليفيناس، أي الأنا التي لا تعيش لنفسها بل توجد من أجل الآخر.

وهذا ما يقوده إلى مفهوم "الاستبدال"، وهو المفهوم الأكثر راديكالية في فلسفته الأخلاقية. فالاستبدال لا يعني مجرد التعاطف أو التماهي، انه يعني أن الذات تحلّ فعلياً محل الآخر وتعاني لأجله، حتى عندما تكون هذه المعاناة غير مستحَقّة ولا متوقعة. القراءة الأصيلة هي تلك التي تُتيح لهذا الاستبدال أن يحدث، حيث يصبح القارئ رهينةً للنص قبل أن يكون متلقياً له؛ والارتهان هنا هو شكلٌ من أشكال الحرية الأخلاقية التي تُعيد تعريف الذات عبر علاقتها بالآخر وليس بمعزل عنه.

ولعل مسرح بيكيت هو الفضاء الأدبي الأكثر ملامسةً لجذر هذا القلق. تقوم لغة "في انتظار غودو" على تفكيك نفسها من الداخل، فتظهر كـقول (Dire) مستمر يرفض الاستقرار في أي "مقول" نهائي. غودو الغائب هو "الآخر" الجذري الذي يُقاوم الاندماج في بنية السرد الهادف؛ والانتظار اللامتناهي لفلاديمير وإستراغون ليس عقماً درامياً بل حركةٌ نحو فضاء يعّلق فيه منطق الغاية الدرامية تُعادل ما يُسمّيه ليفيناس "الضيافة الخالصة"؛ أي الانفتاح على ما يأتي دون اشتراط معرفة القادم. يصبح القارئ شريكاً في هذا الانتظار، مُعلَّقاً في المساحة ذاتها التي يسكنها فلاديمير وإستراغون، ومسؤولاً هو الآخر عن استكمال معنى نص يرفض الانغلاق.

وشخصيات دوستويفسكي، التي رأيناها تُجسّد مسؤولية الكاتب، تعمل هنا من الجهة المقابلة؛ فهي لا تمنح القارئ طمأنينة التأويل المكتمل. إن التوتر الداخلي لشخصية أليوشا أو ديمتري يقوض يقين القارئ ويضعه في مواجهة مباشرة مع الألم الإنساني في أكثر صوره تعقيداً؛ فكلٌّ شخصية من هذه الشخصيات تُذكّره بأنه هو مسؤول أيضاً، وهو "أكثرهم مسؤولية " أيضاً، وهذا يحول القراءة إلى واجب أخلاقي لا يُؤدَّى بالمتعة بل بالمواجهة والتحمُّل.

خاتمة

يُقدّم لنا ليفيناس "بوصلة" لاستعادة إنسانيتنا عبر الأدب. غير أن البوصلة هنا تُنبّهنا باستمرار إلى أننا في حضرة الآخر غير القابل للاختزال. إن الكاتب والقارئ في مختبره الفلسفي ليسا سوى كيانين يجمعهما الرهان الأخلاقي المشترك؛ فالأدب العظيم هو الذي يُبقي جرح المسؤولية مفتوحاً، ويذكّرنا دائماً بأننا لسنا وحدنا في هذا العالم، بل نحن "مؤتمَنون" على وجوه الآخرين التي تسكن بين الدفّتين وتُطالبنا من داخل الكلمات.

تشكّل فلسفة ليفيناس نقلةً نوعية من الأنطولوجيا إلى الأخلاق، ومن 'الكينونة’ إلى 'المسؤولية'؛ وهو ما يُفضي في النهاية إلى إعادة تأسيس الجمالي على الأخلاقي لا على الجميل. فجماليات ليفيناس لا تسأل: هل هذا النص جميل؟ بل تسأل: هل هذا النص وفيّ لوجه الآخر؟ وهل لا يزال القارئ، بعد إغلاق الكتاب، يحمل جرح ذلك الوجه؟ هذا هو جوهر الجماليات عند ليفيناس: أن يكون الأدب مساحةً لاكتشاف الآخر، ليس بوصفه موضوعاً للمعرفة، بل بوصفه وجهاً يُلقي علينا بأمرٍ أخلاقيٍّ لا يقبل التأجيل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الذات بين الكوجيتو والانكشاف للنداء الأخلاقي

الدكتور عادل الثامري

تمهيد

منذ أن صاغ رينيه ديكارت كوجيتوه الشهير، استقرّ في قلب الفلسفة الحديثة تصورٌ للذات بوصفها مبدأ تأسيسياً: أنا أفكر، إذن أنا موجود. لا تُحيل هذه الصيغة إلى واقعة معرفية فحسب، بل إلى بنية أنطولوجية تتقدّم فيها الأنا بوصفها مبتدأً وفاعلاً ومصدراً للمعنى. وقد ظل هذا النموذج موجِّهاً لتصورات الذات في الفلسفة الغربية، إلى أن جاء إيمانويل ليفيناس ليقترح انقلاباً حاسماً في هذا الأفق، إذ لم يعد ينظر إلى الذات بوصفها نقطة الانطلاق، بل بوصفها نتيجة لنداء يسبقها ويستدعيها. لا تتأسس الذات، وفق هذا التصور، من داخلها، بل تُستدعى من خارجها، من الآخر الذي لا يمكن احتواؤه ضمن مقولات الوعي أو استيعابه داخل أفق الذات.

أولاً: من التأسيس إلى الانكشاف

لا يمكن اختزال التحول الذي يقترحه ليفيناس في مجرد قلبٍ للكوجيتو الديكارتي، لأن المسألة لا تتعلق باستبدال مبدأ بآخر، بل بإعادة تعريف شرط إمكان الذات ذاتها. ففي حين تقوم الذات الديكارتية على تطابقها مع نفسها عبر فعل التفكير، يكشف ليفيناس أن الذات لا تسبق علاقتها بالآخر، بل تتحدد من خلالها، بل من خلالها على نحو غير متكافئ. فالذات ليست أولاً ثم تدخل في علاقة، بل هي منذ البدء معرّضة للآخر، مكشوفة له، ومسؤولة عنه قبل أن تختار أو تعي.

يمكن، على سبيل التقريب، الاستعانة بثنائية “الرفع/النصب” لفهم هذا التحول، ولكن بوصفها استعارة تفسيرية لا مقابلاً حرفياً. ففي ما يمكن تسميته، مجازاً، بحالة “الرفع”، تتخذ الذات موقع الفاعل الذي يُدرج العالم ضمن أفقه ويُخضعه لمقولاته. أما في ما يُقابلها من “النصب”، فإن الذات لا تتحول إلى مفعول نحوي، بل إلى موضع مساءلة أخلاقية سابقة على كل تحديد للذات بوصفها فاعلاً. بهذا المعنى، لا تُضاف المسؤولية إلى الذات بوصفها خاصية لاحقة، بل تُعدّ الشرط الذي يجعل الذات ممكنة أصلاً. وكما يشير ليفيناس في Autrement qu’être ou au-delà de l’essence (1974)، فإن الذات تجد نفسها دائماً متأخرة عن مسؤوليتها، أي أنها تأتي بعد ما يُلزمها، لا قبله.

ثانياً: اللغة بوصفها أثر الاستجابة

لا تُنتج اللغة هذا التحول في ذاتها، لكنها تحتفظ بآثاره في بعض صيغها التي يمكن قراءتها بوصفها تجسيداً لهيئة الاستجابة. ففي العبرية، ترد صيغة Hineni (“هأنذا”) في سياقات استجابة لنداء، كما في قصة إبراهيم أو موسى. غير أن أهميتها لا تكمن في بنيتها النحوية بقدر ما تكمن في وظيفتها التداولية؛ فهي لا تُقدّم تقريراً عن وجود الذات، بل إعلان استعداد غير مشروط. إنها استجابة تسبق معرفة مضمون النداء، وهو ما يجعلها قريبة من تصور ليفيناس لمسؤولية لا تقوم على اختيار أو تعاقد، بل على استدعاء سابق على الفهم.

أما في الفرنسية، فإن تعبير me voici الذي يفضّله ليفيناس لا يصف موقعاً كما في je suis ici، بل يُقدّم الذات أمام الآخر بوصفها معروضة عليه. غير أن هذه الصيغة، في ذاتها، لا تحمل بالضرورة حمولة أخلاقية، وإنما يحمّلها ليفيناس هذا البعد عبر قراءته الفلسفية، بحيث تصبح تعبيراً عن تقديم الذات بوصفها معنية بنداء غيرها.

وفي العربية، يمكن التمييز بين صيغة “ها أنا ذا”، (هأنذا) التي تُظهر الذات بوصفها حاضرة ومُشاراً إليها أمام الآخر، وصيغة “لبّيك” التي تمضي أبعد من ذلك، إذ تختفي فيها الأنا من الصياغة، ولا تبقى سوى الاستجابة ذاتها. ومع أن هذه الصيغة تنتمي إلى سياق تعبّدي محدد، ولا يمكن تعميمها دون احتراز، فإنها تفتح مع ذلك إمكاناً تأويلياً يتمثل في تصور استجابة لا تتأسس على تثبيت موقع للذات، بل تتحقق بوصفها تلبية خالصة.

ثالثاً: الكتابة بين القصد والاستجابة

تبدو الكتابة، في أحد مستوياتها، فعلاً قصدياً يخضع لاختيار الكاتب وتنظيمه، غير أن هذا الوصف لا يستنفد طبيعتها. إذ تكشف بعض التجارب الأدبية أن الكتابة لا تقتصر على التعبير عن ذات سابقة عليها، بل تنفتح على ما يتجاوز هذه الذات. في هذا السياق، يمكن فهم الكتابة بوصفها توتراً بين فاعلية تنظيمية لا غنى عنها، وانكشاف على ما لا يمكن اختزاله في هذه الفاعلية.

وقد عبّر موريس بلانشو عن هذا البعد حين رأى أن الكاتب يختفي في لحظة تحقق النص، بحيث لا يعود النص تعبيراً عن ذات تُمسكه، بل فضاءً يحدث فيه القول. ويمكن ملاحظة هذا التوتر في بعض نصوص فرانز كافكا، التي تتخذ فيها الشخصيات مسارات لا يمكن اختزالها في قصد مؤلفها، بما ينسجم مع ما ذهب إليه رولان بارت في مقاله "موت المؤلف" (1967)، من أن النص لا يُستنفد في قصد كاتبه، بل ينفتح على تعددية دلالية تتجاوزها.

كما يظهر في الشعر الحديث، على نحو ما عند بدر شاكر السياب مثلا، حيث يتشكّل الصوت الشعري من تداخل بين التجربة الذاتية والبنى الرمزية والأسطورية، بحيث لا يعود تعبيراً عن ذات فردية خالصة، بل مجالاً تتقاطع فيه مستويات متعددة من المعنى. وتجد هذه الرؤية ما يدعمها في أطروحة تي. إس. إليوت الذي يرى أن الشعر لا يقوم على التعبير عن الشخصية بل على تجاوزها، كما تتقاطع مع تصوّر ستيفان مالارميه للعمل الشعري بوصفه فضاءً يختفي فيه الشاعر لصالح فعل اللغة ذاته. بهذا المعنى، لا يكون الأدب العظيم تعبيراً عن الذات، بل انفتاحاً على ما لا تملكه، واستجابةً لنداء لا يمكن اختزاله في القصد.

رابعاً: حدود الأفق الليفيناسي

تُظهر بعض التقاليد الفلسفية والروحية إمكان التفكير فيما يتجاوز العلاقة الثنائية بين الذات والآخر، غير أن هذا “التجاوز” لا ينبغي فهمه بوصفه امتداداً لمشروع ليفيناس، بل بوصفه اختلافاً في الأفق. ففي كتابات مايستر إيكهارت، لا يُفهم التخلي عن الذات بوصفه محواً بسيطاً لها، بل بوصفه تخلية للإرادة الفردية تتيح انفتاحاً على المطلق، بحيث لا تعود الذات مركزاً للفعل بقدر ما تصبح موضعاً لتجلّي ما يتجاوزها. وعلى نحو مختلف، تطوّر سيمون فايل مفهوم décréation (“اللاخلق”) بوصفه تفريغاً جذرياً للذات من مركزيتها، لا عبر تحويلها إلى موضع استجابة فحسب، بل عبر التنازل عن الامتياز الذي يمنحه قول "أنـا".  أما في بعض التقاليد الشرقية، كما في البوذية، فيُطرح مفهوم اللاذات(  لا أنا)  (anatta) ليس كتخلٍّ عن ذات قائمة، بل بوصفه نفياً لأن تكون الذات جوهراً ثابتاً أصلاً، وهو ما يفضي إلى تجاوز ثنائية الأنا والآخر من أساسها.  

غير أن هذه التصورات لا تُكمل مشروع ليفيناس، بل تنطلق من افتراض مختلف؛ إذ يُصرّ ليفيناس على بقاء الآخر بوصفه غير قابل للاندماج، في حين تميل تلك التقاليد إلى تجاوز الثنائية ذاتها. ومن ثمّ، فإن الفارق لا يتعلق بدرجة من الراديكالية، بل بطبيعة السؤال: هل تُعرّف الذات بعلاقتها بغيرها، أم أن هذه العلاقة نفسها تُلغى؟

الخاتمة

يكشف الانتقال من “أنا أفكر” إلى “ها أنا ذا” عن تحوّل عميق في تصور الذات، حيث لم تعد الذات مبدأ يؤسس المعنى، بل موضعاً يستجيب لنداء يسبقه. غير أن هذا التحول لا يؤدي إلى محو الذات، بل إلى إعادة تحديدها بوصفها مسؤولية قبل أن تكون وعياً. ومع ذلك، فإن بعض الصيغ اللغوية والتجارب الفكرية تفتح إمكان التفكير في استجابة لا تُسند إلى ذات محددة الموقع، بحيث لا يعود السؤال متعلقاً بهوية المتكلم، بل بكيفية حدوث الاستجابة ذاتها. في هذا الأفق، تظل اللغة والأدب مجالين لاختبار حدود الذات، حيث لا تُختزل في حضورها، ولا تُلغى كلياً، بل تُعاد صياغتها في توتر دائم بين القول والاستجابة.

Levinas, E. (1998). Otherwise than being or beyond essence (A. Lingis, Trans.). Duquesne University Press.

Blanchot, M. (1989). The space of literature (A. Smock, Trans.). University of Nebraska Press.

Rahula, W. (1974). What the Buddha taught (Rev. ed.). Grove Press.

 

 

 


مشاهدات 36
الكاتب عادل الثامري
أضيف 2026/07/04 - 3:09 PM
آخر تحديث 2026/07/05 - 2:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 173 الشهر 4446 الكلي 15909573
الوقت الآن
الأحد 2026/7/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير