الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صورة السيد الرئيس

بواسطة azzaman

صورة السيد الرئيس

عدنان سمير دهيرب

 

ما تزال الذاكرة تحمل آثار الماضي ، وبقايا الطغيان ، التي نسعى لإزاحتها ، غير إنها تقفز ثانيةً ، ترفض أن تمحى ، بفعل التماثل الذي يمارسه كثيرون عند وصولهم الى السلطة ، بأستدعاء سلوكيات وأفكار سائدة من الماضي القريب ، تحقنها بحياة جديدة في بيئة غارقة بمؤشرات الاستبداد الذي يتشكل في أمكنة وأساليب شتى ، لممارسة الهيمنة ووجوب طاعة الجمهور إزاء الشخصية التي تتوفر لها أساليب السلطة والقوة لغرض الخضوع لجماعات تقدم الانحناء الطوعي ، لكي تدعو السيد الرئيس أو الزعيم الى الركوب . وتالياً صناعة مستبد يتبارى الجميع لتقديم الولاء والتعبير عن الحب الزائف وربما الحقيقي ، بوصفه الرمز والمنقذ ، ومنحه التوكيل في التفكير والتصرف ، بسبب عوامل تتعلق بالتخلف والجهل من ناحية وبالقوة المادية أو الروحية ، المقدس من ناحية أخرى والأخيرة أخطر من قوة السلطة الزمنية التي تتلاشى مع تغير الأنظمة ، فيما الثانية أبقى وأعمق لأنها تستمد قوتها من الله ، أو إن حضورها مقدساً ، رغم أن لا قدسية لغير الذات الإلهية .

من تلك المؤشرات نشر مئات الالاف أو ملايين الصور في الشوارع والأزقة والساحة العامة والأسواق والمحال والمركبات وغيرها . كوسيط بصري لمعطيات إجتماعية وسياسية ودينية ، بيد إن هذا المعطى يشير الى إستمرار ذلك الرئيس بعقله وسلوكه ونزواته بصور إخرى ، لنقع في ذات التفكير الدائري ، حتى وأن تغير شكل النظام . فالشعب ما برح يخضع لأساليب التضليل والمخاتلة ، ويمنح السيد الزعيم الذي بظروف مغايرة وملتبسة ، فرصاً أخرى وسلب الإرادة والإيمان بأوهام كانت أحد أسباب التخلف والانحدار . إذ تداهمك تلك الصور إينما ذهبت ، ليفرض على الجميع الحضور الرمزي سواء كنت راضياً أو رافضاً أو بينهما ، وهي مؤشرات على النرجسية وحب الذات ، وترسيخ ثقافة الحشود بهدف الإستمالة ، أو معالجة الكراهية التي يرى السيد الزعيم إنها تتسلل الى الجمهور من خلال التكرار ، لإداء وظيفتها كرسالة ووسيلة ، فالمهم هو نجاعة التأثير لتغدو إنعكاساً لواقع إجتماعي وسياسي ونمط متراكم . ويؤكد المفكر الفرنسي جاك أمون ، أن الصورة ممكن أن تشبه الواقع ، أو بعض مظاهره على الأقل ، كما يمكن أن تساعدنا على رؤية الواقع وحتى على فهمه ، بما في ذلك من خلال تحويله الى نموذج ما ) . إذ أن صورة السياسي تشي الى فرض علاقة بصرية تتحول الى صورة ذهنية ، لها تأثير سلبي اذا ما كانت سياسته لا تلتقي مع تطلعات الجمهور ، وإيجابي لدى الموالين الذين يغالون برفع الصور حفاظاً على مصالحهم والترويج للايديولوجية .

إن الصور تعد أحد وسائل الدعاية أو بوصفها وسيطا إشهارياً يحمل لغة ذات تأثير ، لتلبية غايات مقترنة بوسائل أخرى كالخطابات والبيانات والتغريدات والفعاليات التي تتسم بالشحن العاطفي والمبالغة سواء بالترهيب أو المواربة ، لكي تتحقق الأهداف ، التي يسهم بالدعم المباشر أو بالصمت لتحقيقها ، وتحويلها الى إيقونة .

وأعتقد أن هذا السلوك سواء كان من السيد الزعيم أو الجمهور ، يشي الى أربع مؤشرات : غياب العدالة الاجتماعية أولاً . وخلق الزبائنية ودعم المصالح الذاتية والانانية ثانياً وتفشي الخضوع في بيئة غارقة بثقافة الطاعة ثالثاً . وأخيراً صناعة شخصيات تستغل السلطة لفرض الهيمنة على جمهور يبحث عن منقذ حتى وإن كان مزيفاً .

مشهد آخر : بالرغم من إن اليابان يمتلك عمقاً حضارياً ، ويهتم بالرموز التاريخية والروحية ، بيد إن المواطنين والدولة صنعوا واقعاً جديداً بعد حروب مدمرة . تقوم على حب الوطن والعمل والعلم ، وتطبيق قانون يؤمن المساواة والعدالة الاجتماعية والكرامة . إذ لم أشاهد سوى صورة واحدة لرئيس الوزراء أمام أحدى الدوائر الرسمية ، خلال زيارتي لأربعة مدن في هذا البلد .

 

 

 

 


مشاهدات 39
الكاتب عدنان سمير دهيرب
أضيف 2026/06/22 - 4:23 PM
آخر تحديث 2026/06/23 - 12:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 45 الشهر 21723 الكلي 15897204
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير