تصحيح صورة حملتها معي نصف قرن
فاروق الدباغ
لطالما كنتُ العائق الأكبر بين أطفالي وألعاب الكومبيوتر.
ربما لأنني أنتمي إلى جيل الستينيات، ذلك الجيل الذي لم يعرف من الألعاب سوى ما تصنعه الأيدي وما تمنحه الأزقة الضيقة من فرح مجاني.
كانت ألعابنا الشعبية بسيطة، لكنها كانت عالمنا كله.
لعبنا المزراع ، والدعابل ، والتبيل ، والخشبتين ، والچلو ماو، وكانت كرة القدم البلاستيكية بالنسبة لنا كنزاً حقيقياً. وعندما تتلقى ضربة قوية فتفقد شكلها الكروي، كنا نغمرها بالماء الساخن لتعود للحياة من جديد، ثم نركض بها على إسفلت الزقاق، بينما نرسم المرمى بالطباشير على الجدار.
لم نكن نملك شاشات، ولا أجهزة إلكترونية، ولا عوالم افتراضية.
ثم جاءت نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، فدخلت ألعاب (الأتاري) و(السوني)، وبدأت الشاشات الملونة تحتل جزءاً من حياة الأجيال الجديدة.
أما أنا، فقد بقيت أنظر إلى ألعاب الكومبيوتر بعين الريبة.
كنت أراها مضيعة للوقت، وسارقاً للطفولة، وعدواً للدراسة.
كبر أولادي، وكبرت معهم قناعاتي القديمة، حتى أصبحت جزءاً من مكتبتي الذهنية التي لم أفكر يوماً في إعادة ترتيب رفوفها.
لكن الحياة أحياناً تفاجئنا بحقيقة لا تأتي من الكتب، بل من موقف صغير.
في مدينة سكوفده السويدية، كنت أحضر مراسم تخرج أصغر أبنائي أُبي ، الذي أكمل دراسته الجامعية في علم الأعصاب الإدراكي.
وبينما كان الحفل يقترب من نهايته، استرعى انتباهي حوار دافئ بين ابني وأحد أساتذته السويديين.
بدأ الحديث كما يبدأ أي لقاء أكاديمي محترم: كلمات شكر وتقدير متبادلة بين الطالب والأستاذ.
لكن فجأة، تغيرت نبرة الحديث.
أصبح الاثنان يتحدثان بحماس عن لعبة (دوتا)، ثم عن (كاونتر سترايك)، ثم عن لعبة (ديسكو إليسيوم).
اختفت المسافة التقليدية بين الأستاذ والطالب.
لم أعد أرى معلماً وتلميذاً.
كنت أرى صديقين يجمعهما شغف مشترك.
كانا يناقشان المراحل، والصعوبات، والمستويات، والشخصيات، وكأنهما يتحدثان عن رواية أدبية عاشا تفاصيلها معاً.
هنا لم أتمالك فضولي.
تقدمت بسؤال لم يكن هدفي منه الحصول على إجابة بقدر ما كان محاولة لإعادة ترتيب أفكار عاشت معي نصف قرن.
سألت الأستاذ:
”هل تلعب الألعاب نفسها التي يلعبها ابني؟”
ابتسم ابتسامة واسعة، ومد يده للمصافحة قائلاً:
”نعم… وبكل سرور.”
تعرفنا على بعضنا البعض، ثم جلسنا على طاولة واحدة.
ثلاثة رجال من ثلاثة أجيال مختلفة:
أنا ابن الستينيات.
والأستاذ ابن الثمانينيات.
وابني من أبناء الألفية الجديدة.
حينها بدأ الأستاذ يشرح لي شيئاً لم يخطر ببالي من قبل.
قال إن بعض الألعاب الإلكترونية لا تنمي فقط سرعة رد الفعل، بل تطور التفكير الاستراتيجي، والذاكرة، واللغة السمعية، وفهم القصص، وتسلسل الأحداث، والخيال، وحتى التذوق الفني والموسيقي.
ثم قال جملة بقيت ترن في ذهني:
(في الحقيقة، كان شغفي بالألعاب أحد الأسباب التي دفعتني إلى دراسة علم الأعصاب الإدراكي، والحصول على الدكتوراه من جامعة مانشستر).
في تلك اللحظة، شعرت أن صورةً قديمة استقرت في داخلي لعقود بدأت تتصدع.
أدركت أن المشكلة لم تكن في الألعاب نفسها، بل في الصورة التي رسمتها عنها.
وأن ما كنت أراه مضيعة للوقت، قد يكون بالنسبة لشخص آخر بوابةً للعلم، أو جسراً نحو الإبداع، أو شرارةً تقوده إلى اكتشاف شغفه الحقيقي.
ليس كل ما لم نعشه نحن خطأ.
وليس كل ما لم نفهمه يستحق الرفض.
فالأجيال الجديدة لا تحتاج منا أن نفرض عليها نسختنا القديمة من الحياة، بل أن نصغي إليها، ونحاول فهم العالم الذي تعيشه.
لقد علمني ذلك الأستاذ السويدي درساً لم أجده في أي كتاب:
أن الإنسان الحقيقي لا يكبر عندما يتوقف عن التعلم، بل عندما يتوقف عن مراجعة أفكاره.
وأن أجمل ما يمكن أن يحدث لنا في هذا العمر، هو أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بأن أبناءنا قد يرون أحياناً ما لم نره نحن.
فالبراهين، عندما تحضر، تملك القدرة على تصحيح حتى أكثر القناعات رسوخاً.
وربما كانت الحكمة الحقيقية ليست في أن ننتصر لأفكارنا القديمة، بل في أن نسمح للحقيقة أن تنتصر علينا.