حين أصبحت التفاصيل وطني
حيدر عبد الرحمن الربيعي
هل تعلمين لماذا أترك التلفاز مفتوحًا، مع أنني لا أتابع ما يعرضه؟
لست أبحث عن خبر، ولا أنتظر حكايةً جديدة، لكنني أستأنس بذلك الصوت البعيد، كأنني أفتح في جدار العزلة نافذةً صغيرةً على العالم، لأطمئن إلى أن الحياة ما زالت تتحرك من حولي، وأن الصمت لم يبتلع المكان كله.
فأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى من يحدّثه، بل إلى صوتٍ يمر قريبًا منه، ليشعر أن الوجود لم ينسَ عنوانه.
وهل تعلمين لماذا أضع صناديق الزرع قرب نافذتي؟
لأجعل في الدار حياةً تنتظر يدي كل صباح.
أسقيها، فأشعر أن الماء لا يصل إلى جذورها وحدها، بل يمر في روحي أيضًا. وكلما رأيت ورقةً جديدةً تشق طريقها من التراب، أدركت أن الحياة لا تحتاج دائمًا إلى معجزة كبيرة، فقد يكفيها شيء من الماء، وشيء من الضوء، وقلب لا يتعب من الانتظار.
وهل تعلمين لماذا أكوي ملابسي بعناية، حتى في الأيام التي لا أنوي فيها الخروج؟
لأن الإنسان قد يغيب عن نفسه قبل أن يغيب عن الآخرين.
أمرر المكواة فوق تجاعيد ثيابي، وكأنني أحاول أن أسوي شيئًا من الفوضى التي عبرت أيامي. أفعل ذلك كي أتذكر أنني ما زلت جديرًا بالعناية، وأن الوحدة لا تعني أن يهمل الإنسان نفسه، أو أن يترك أيامه تنطفئ واحدةً بعد أخرى.
فليس احترام المرء لهيئته تهيؤًا للناس دائمًا، بل قد يكون وفاءً صامتًا لذاته.
وهل تعلمين لماذا أعد قهوتي على نار هادئة؟
لأنني لم أعد أطمئن إلى الأشياء التي تأتي مسرعة.
أراقب الماء وهو يسخن قليلًا قليلًا، وأنتظر القهوة حتى تصعد في إنائها، فأشعر أنني لا أعد فنجانًا فقط، بل أعيد ترتيب مخيلتي، وأسترد شيئًا من اتزاني.
ولعل الروح تشبه القهوة في بعض أحوالها، فهي تحتاج إلى نار هادئة تنضجها، لا إلى لهب يحرقها قبل أن تمنح عطرها.
وهل تعلمين لماذا أتكئ على عكازي، مع أنني لست معاقًا وما زالت قدماي قادرتين على حملي؟
لأن العكاز عندي ليس علامة عجز، بل تذكرة.
كلما أمسكت به، تذكرت أن الإنسان قد يتعثر، لكنه لم يُخلق ليبقى على الأرض. وأن كل كبوة، مهما أوجعتنا، تحمل في داخلها معنى خفيًا للقيام.
أتكئ عليه قليلًا، لكي أزداد يقينًا بأنني بعد كل سقوط سأقوم بما بقي فيَّ من قوة، وبما يفيضه الله سبحانه وتعالى عليَّ من رحمته.
وهل تعلمين لماذا أربي الحيوانات، وأجعل لها موضعًا في بيتي وقلبي؟
لأنني كنت أبحث عن الوفاء في صورته البسيطة، ذلك الوفاء الذي لا يحتاج إلى كثير من الكلام، ولا يضع شروطًا للحضور.
كان كلبي يقترب مني حين يبتعد الآخرون، وكانت قطتي تجلس بقربي دون أن تسألني لماذا صمت، أو لماذا تغير وجهي.
لم تكن تملك كلمات تواسيني بها، لكنها منحتني شيئًا قد يكون أصدق من الكلمات: حضورًا لا يحاكم، وقربًا لا يرهق القلب، ووفاءً لا يحتاج إلى تفسير.
ومنذ ذلك الحين، أدركت أن بعض الكائنات لا تداوي وحدتنا بالكلام، بل بأن تبقى.
وهل تعلمين لماذا أستوحش حين يُطرق باب الدار؟
لأن العزلة الطويلة تجعل القلب يبالغ في حراسة نفسه.
في اللحظة الأولى يضيق صدري، ويخيّل إليَّ أن العالم كله جاء ليقتحم خلوتي. ثم أفتح الباب، فأجد جارًا يحمل سلامًا، أو ساعي بريد جاء برسالة، أو صديقًا اشتاق إلى رؤيتي، فأكتشف أن الخوف لم يكن خلف الباب، بل كان في داخلي.
ومع ذلك، ما زلت أفتح الباب، لأنني لا أريد لخلوتي أن تتحول إلى جدار يفصلني عن الناس، بل إلى موضع أستريح فيه، ثم أطل منه على العالم بالقدر الذي تحتمله روحي.
وهل تعلمين لماذا أكتب؟
لا أكتب لأثبت أنني حاضر، ولا لأجمع المديح حول اسمي، ولا لأصنع لنفسي ضجيجًا عابرًا.
أكتب لأنني أشعر أن على كتفي شيئًا من واجب الإنسان تجاه الإنسان، وأن الكلمات التي أودعها الله في روحي ليست ملكًا لي وحدي، بل حق لمن قد يجد فيها معنى، أو عزاءً، أو نافذةً صغيرةً يدخل منها شيء من الضوء.
أكتب لكيلا أمر في هذه الحياة مستهلكًا أيامها فقط، بل مشاركًا في عطائها.
وأكتب لأن الكتابة عندي ليست بحثًا عن حضور شخصي، بل أداءٌ لأمانة، ومحاولة لأن أظل نافعًا ما دمت قادرًا على حمل الكلمة.
وهل تعلمين لماذا لم أعد أطلب كثيرًا من الناس؟
لأنني أدركت، بعد تجارب طويلة، أن كثرة التعلق بما عندهم ترهق القلب، وأن الإنسان لا يطمئن حقًا حتى يرد أمره إلى الواحد القهار.
ما أجمل أن يتخلى المرء عن وهم السيطرة، وأن يسلم لله ما أثقل روحه وعجز عن حمله.
لم أعد أريد تعليقًا، ولا مديحًا، ولا ضجيجًا فكريًا يلفت الأنظار.
أريد السلام فقط.
أريده من الله سبحانه وتعالى أولًا، ثم أرجو من الناس، إن لم يستطيعوا أن يمنحوني إياه، ألا يسلبوه مني.
وهل تعلمين لماذا أشعر أحيانًا أن الموت قريب، مع أنني لا أخشاه؟
لأنني أرى الوقت يتبخر من بين يدي، وأشعر أن اللحظات تنتهي قبل أن أقبض عليها.
تمر قصة العمر أمامي في ومضات: وجوه جاءت ثم غابت، أبواب فتحت ثم أغلقت، أشياء ظننتها باقية فإذا بها أثر، وأشياء حسبتها عابرة فإذا بها تسكنني إلى اليوم.
أبحث عن ذلك الذي لا مفر منه، فلا أجده، لأنه لا يأتي حين نطلبه، ولا يكشف لنا موعده. لكنه يعلمني بصمته أن الحياة لا تقاس بعدد سنواتها، بل بما وضعناه فيها من معنى، وما تركناه في قلوب الآخرين من أثر.
وهل تعلمين ماذا اكتشفت في نهاية كل هذه التفاصيل؟
اكتشفت أنني لم أكن أتمسك بالتلفاز، ولا بالنبتة، ولا بالملابس المكوية، ولا بفنجان القهوة، ولا بالعكاز، ولا بالحيوانات، ولا حتى بالكتابة ذاتها.
كنت أتمسك بالخيط الخفي الذي يصلني بالحياة.
كنت أقول لنفسي، من خلال هذه الطقوس الصغيرة، إنني ما زلت هنا، وإن في القلب بقيةً للعطاء، وفي الروح مساحةً للرحمة، وفي الطريق خطوةً لم أخطها بعد.
لقد أصبحت التفاصيل وطني.
فيها ألوذ من صخب العالم، ومنها أستمد يقيني بأن الحياة لا تزال جديرةً بأن تُعاش، حتى حين تضيق مساحاتها، ويقل رفاقها، ويثقل الطريق.
ولا أخشى النهاية بقدر ما أخشى أن أصل إليها قبل أن أؤدي ما وُضع على كتفي.
لذلك أسقي زرعي، وأعد قهوتي، وأرتب ثيابي، وأمسك عكازي، وأكتب.
وأرجو حين يحين الرحيل ألا أترك خلفي ضجيجًا يدل عليَّ، بل أثرًا هادئًا، كعطر قهوة بقي في المكان بعد أن غادره صاحبها، أو كنبتة واصلت النمو لأن يدًا محبةً سقتها يومًا.
ذلك وحده يكفيني.
أن أغادر وقد عرفت شيئًا من السلام، وأديت ما استطعت من الأمانة، وتركت في قلب إنسانٍ ما بقيةً من نور.