الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يتقاعد الجسد... وتبدأ الروح عملها من جديد

بواسطة azzaman

حين يتقاعد الجسد... وتبدأ الروح عملها من جديد

عباس التميمي

 

وفي تلك الصباحات الهادئة، حين ينساب الضوء برفق فوق أوراق الأشجار، يجلس المتقاعد أمام فنجان قهوته كمن يجلس أمام عمره كله ، يتأمل السنوات التي مضت، فلا يندم على تعبها، بل يبتسم لها كما يبتسم الأب لأبنائه بعد أن يكبروا ويغادروا البيت، يتذكر وجوهاً أحبها وغابت ، وأصدقاء شاركوه الطريق ثم افترقت بهم الدروب، فيشعر أن الذكريات ليست ألماً كما يظن البعض ، بل هي رسائل حب تركها الزمن في القلب كي لا نشعر بالوحدة.

وفي لحظات الصفاء تلك ، يكتشف الإنسان أن السعادة لم تكن في المنصب الذي شغله، ولا في الأختام التي كان يوقعها ، ولا في الكرسي الذي جلس عليه سنوات طويلة، بل كانت تختبئ في أشياء صغيرة مرّ بها مسرعاً ولم ينتبه إليها ، كانت في ضحكة طفل ، وفي ظل شجرة، وفي زيارة صديق ، وفي أغنية قديمة تعيد إلى الروح شبابها.

عندها فقط يدرك أن العمر ليس عدداً من السنوات، بل مقدار ما نحمله من حب ، وأن القلب الذي يتسع للتسامح لا يشيخ أبداً، وأن الإنسان يستطيع أن يبدأ حياة جديدة في أي مرحلة من عمره، ما دام قادراً على أن يزرع وردة ، أو يمنح ابتسامة ، أو يمسك بيد صديق ، أو يفتح نافذته كل صباح ليستقبل الشمس وكأنها أول شمس تشرق في حياته.

إن أجمل ما في هذه المرحلة أنها لا تعيد الإنسان إلى شبابه، بل تعيده إلى نفسه؛ إلى ذلك الكائن البسيط الذي كان يحلم ويحب ويصدق أن العالم يمكن أن يكون أكثر جمالاً، وحين يعود الإنسان إلى نفسه ، يعود الحب معه ، وتعود الطمأنينة ، وتولد في القلب حدائق لا يطالها الذبول.

ففي بعض بلدان العالم لا يُنظر إلى التقاعد بوصفه نهاية الطريق، بل بوصفه بداية طريق آخر أكثر هدوءاً وعمقاً وجمالاً ، هناك يستيقظ المتقاعدون مع خيوط الفجر الأولى كما كانوا يفعلون طوال سنوات خدمتهم الطويلة ، لكنهم لا يحملون حقائب العمل ، ولا يستعجلون الوصول إلى المكاتب ، ولا تلاحقهم الملفات والمراسلات والاجتماعات ، إنهم يخرجون هذه المرة إلى حدائقهم الصغيرة ، إلى أشجارهم التي تنتظر جرعات الماء ، وإلى الورود التي تحفظ وجوههم وأسماءهم كما يحفظ الأصدقاء القدامى ملامح بعضهم البعض.

تبدو العلاقة بينهم وبين تلك الأشجار وكأنها حوار يومي صامت ، فهم يسقونها بالماء، بينما تسقيهم هي بالطمأنينة. يمنحونها الرعاية، فتهبهم بالمقابل شعوراً عميقاً بالحياة ، وما بين غصن ينمو ووردة تتفتح ، يدرك الإنسان أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات التي مرت، بل بعدد اللحظات التي شعر فيها بأنه ما زال قادراً على العطاء والمحبة.

وفي الصباحات الهادئة، تحط الطيور على أغصان الحدائق أو على أطراف النوافذ، يعرفها أصحاب البيوت كما يعرفون أبناءهم ،  يضعون لها الحبوب والماء، فتقترب دون خوف ، وكأنها تعلم أن هذه الأيدي التي امتدت إليها لم تعد تحمل شيئاً من صخب الدنيا أو قسوتها ، هناك، يصبح المشهد درساً يومياً في الرحمة، فالحياة لا تستمر بالقوة وحدها، بل بالحنان أيضاً.

ويمضي المتقاعدون في شوارع مدنهم بخطوات هادئة ،  يلقون التحية على المارة، ويتبادلون الابتسامات التي لا تشوبها مصلحة ولا مجاملة ،  سلام الصباح عندهم ليس كلمة عابرة، بل اعتراف جميل بوجود الآخرين ، إنهم يدركون بعد رحلة العمر الطويلة أن أجمل ما يمكن أن يملكه الإنسان ليس المال ولا المنصب، وإنما القدرة على أن يزرع الألفة في قلوب من يلتقيهم.

وفي كثير من تلك الصباحات تتسلل أغنيات فيروز من النوافذ والمقاهي والحدائق ،  تمتزج الموسيقى بزقزقة العصافير وعبير الياسمين، فتتحول اللحظات العادية إلى لوحات إنسانية نادرة ، هناك يبدو الزمن أقل استعجالاً، وكأن الساعات نفسها قررت أن تمنح هؤلاء فرصة للراحة بعد سنوات طويلة من الركض خلف المسؤوليات.

لقد أمضى هؤلاء أعمارهم بين التزامات ثقيلة وواجبات لا تحتمل الخطأ ، حملوا هموم الوظيفة والأسرة والمستقبل، وسهروا على أعمالهم كما يسهر البحّارة على سفنهم وسط العواصف ،  وحين وصلوا إلى شاطئ التقاعد، لم يكن ذلك هزيمة كما يتصور البعض ، بل كان وصولاً مستحقاً بعد رحلة شاقة عبر بحار الحياة وجزرها المتباعدة.

إن التقاعد الحقيقي ليس خروجاً من العمل، بل خروج من الضجيج ، إنه فرصة نادرة لاستعادة الأشياء التي أجلناها طويلاً ، فرصة لقراءة كتاب ظل ينتظر على الرف سنوات، أو للسفر إلى مدينة حلمنا بزيارتها، أو للجلوس مع صديق قديم فرقتنا عنه مشاغل الحياة. إنه الوقت الذي يعود فيه الإنسان إلى ذاته بعد أن أمضى سنوات طويلة منشغلاً بالآخرين.

وفي هذه المرحلة يستعيد كثيرون ذكريات الطفولة الأولى؛ الأزقة القديمة، مقاعد الدراسة، ضحكات الأصدقاء ، وروائح البيوت التي غاب بعضها وبقي أثرها في القلب. يكتشف الإنسان أن أجمل ما بقي معه بعد كل هذه السنوات ليس ما جمعه من ممتلكات، بل ما اختزنته روحه من لحظات صادقة ووجوه محبوبة.

وربما يكون أجمل ما في هذه المرحلة أنها تمنح القلب فرصة نادرة للغسل من أدران السنين ،  فالكثير من الأحقاد القديمة تفقد معناها ، والكثير من الخصومات تبدو صغيرة أمام اتساع العمر الذي مضى ،  تبدأ بذور جديدة بالنمو داخل الروح؛ بذور التسامح والمحبة والسلام ، ويكتشف الإنسان أن الراحة الحقيقية لا تأتي من الانتصار على الآخرين، بل من التصالح مع نفسه.

وحين تتراجع ضوضاء الطموحات المرهقة، يعلو صوت الحياة الجميلة ،  تصبح الضحكة أكثر صدقاً ، والزيارة أكثر دفئاً ، واللقاء أكثر قيمة ، وتشرق شمس جديدة لا في السماء فحسب، بل في داخل الإنسان نفسه ،  شمس تمنحه شعوراً بأن العمر ما زال قادراً على الإزهار مهما تقدمت السنوات.

إن بعض الناس يعتقدون أن الشيخوخة فصل الخريف الأخير، لكن الحقيقة أنها قد تكون ربيعاً مختلفاً ،  ربيعاً لا تُقاس فيه القوة بسرعة الخطوات ، بل بعمق النظرة إلى الحياة. ربيعاً تنضج فيه الحكمة كما تنضج الثمار على الأشجار التي زرعها أصحابها بأيديهم.

ولهذا فإن التقاعد ليس إعلاناً بانتهاء الحكاية، بل بداية فصل جديد منها ،  فصل أكثر هدوءاً وأقل صخباً، لكنه أكثر امتلاءً بالمعنى ،  فصل يكتشف فيه الإنسان أن الحب ما زال ممكناً، وأن الأحلام لا تتقاعد، وأن القلب قادر دائماً على استقبال شمس جديدة.

إنها عودة الإنسان إلى إنسانيته الأولى ،  حيث لا مناصب ولا منافسات ولا صراعات، بل حديقة صغيرة، وعصفور جائع، وأغنية لفيروز، وصديق قديم، وسماء واسعة، وقلب تعلم أخيراً أن الحياة ليست سباقاً ينبغي الفوز به ، بل رحلة ينبغي الاستمتاع بكل لحظة فيها.

فإذا كان الشباب هو زمن الأحلام، فإن التقاعد هو زمن التأمل في جمال تحقق بعضها ، والرضا عن بعضها الآخر الذي بقي معلقاً في السماء مثل نجمة بعيدة ، وفي المسافة بين ما تحقق وما لم يتحقق، تنضج الحكمة ويهدأ القلب ويصبح الإنسان أكثر قرباً من جوهر الحياة.

وحين تغيب الشمس في آخر النهار، لا يشعر المتقاعد أن يوماً آخر قد انقضى من عمره، بل يشعر أن يوماً آخر قد أُضيف إلى رصيده من السلام ،  فيجلس مطمئناً، محاطاً بأشجاره وذكرياته وأحبابه، وكأنه يقول للحياة: لقد تعبت كثيراً في خدمتك، وحان الوقت الآن لأستمتع بجمالك.

هناك فقط، يبدأ العمر من جديد.


مشاهدات 47
الكاتب عباس التميمي
أضيف 2026/06/22 - 4:24 PM
آخر تحديث 2026/06/23 - 12:41 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 45 الشهر 21723 الكلي 15897204
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير