المهمة المستحيلة.. الواقع السياسي في عهد السيد الزيدي
خالد الدبوني
رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، يشبه بطلًا في فيلم Mission Impossible. مهمته تتجاوز التحديات البشرية. المطلوب منه ليس فقط قيادة دولة، بل قيادة نظام بـ329 مقعدًا برلمانيًا دون أغلبية حقيقية، في بحر من المحاصصة الحزبية والطائفية والنفوذ الخارجي.
المهمة: تشكيل حكومة كاملة وتنفيذ برنامج حكومي اصلاحي .
المعرقل لهذا الإصلاح : 14 حزبًا متنافسًا وإيران وأمريكا. والنتيجة: حكومة جزئية بعد أشهر من التفاوض.
كل يوم يدخل الزيدي اجتماعًا حكوميًا وكأنه يحمل قنبلة موقوتة ويحاول تفجيرها بدون أن يلمسها أي طرف.
المرحلة الاولى : البحر الذي قُذِف فيه الزيدي!
الزيدي ليس رئيس وزراء تقليديًا، هو شخص من خارج حزب الدعوة، كلفته الأحزاب التي جاءته به، لكنه لا يملك خبرة حقيقية في هذا البحر.
المشكلة الأساسية: يحتاج الأحزاب التي تدعمه بشروط وتتراجع عندما تتعارض مصالحها. تماما مثلما فعلت مع من سبقوه( الكاظمي ، السوداني)
كل حزب يحمي غنيمته: حقائب وزارية، نفوذ، عقود، مؤسسات. لا أحد يهتم بالدولة بل بالغنمة.
المرحلة الثانية : وكل حزب بما لديهم فرحون
هذه الجملة تلخص المشكلة تمامًا. النظام السياسي العراقي بُني على المحاصصة والتوازن بين المكونات، لكن انتقل من التوازن إلى التنازع.
كل حزب يركّز على مصالحة الضيقة بدل المصلحة الوطنية. الوفاء للحزب والطائفة بدل الوفاء للدولة والشعب.
التفكير بالغنيمة بدل التفكير بالدولة. المكاسب الشخصية والحزبية بدل المصلحة العامة. إشعال الانقسامات بدل غلب العام على الخاص.
الزيدي حصل على ثقة جزئية من البرلمان في 15 مايو 2026، لكن الحكومة لا تزال غير مكتملة. التأريخ السياسي يؤكد أن 11 مبادرة تقدمت بها أطراف سياسية مختلفة لحل أزمة تشكيل الحكومة العراقية أخفقت جميعها في التقريب بين معسكرات الأزمة.
المرحلة الثالثة : الأمل في زمن انعدام المعجزات
التغيير من داخل النظام هو المهمة المستحيلة. لماذا؟ لأن من يملكون السلطة مستفيدون من الوضع الحالي. المحاصصة أصبحت نمط حياة للنخبة السياسية. كل حزب يحمي مصالحه الضيقة بدل المصلحة العامة.
المعجزة المطلوبة تتطلب إرادة سياسية حقيقية من أحزاب السلطة، وإصلاحًا بنيويًا بإعادة النظر في الدستور وإلغاء مفاهيم المكوّن التي شرعنت المحاصصة، وولادة جيل سياسي جديد يؤمن بالدولة لا بالغنيمة، ووعي شعبي ضاغط.
لكننا في زمن انعدام المعجزات. الشارع العراقي سبق واحتج عام 2015 و2018 و2021، لكن النتائج كانت سطحية أو مهمَّشة.بل ودامية للشباب المتظاهر !
: من يجب أن نشفق عليه الحكومة أم الشعب؟!!
الإجابة بسيطة: الشعب.
النخبة السياسية تعيش في الامتيازات والحصانات، بينما المواطن البسيط يعيش في الكهرباء المتقطعة في صيف 45 درجة والبطالة التي تصل 40 نسبة مئوية والفساد المالي والإداري الذي يهدر تريليونات الدولارات والخدمات السيئة من مياه وقود ومدارس ومستشفيات والفقر الذي يزداد مع كل حكومة نصفية.
النخبة تهتم بالغنيمة والمناصب والنفوذ، بينما المواطن البسيط يهتم بالعيش والفرصة. النخبة في عالم معزول، بينما المواطن في واقع مرير.
العراق أغنى من أن يكون فقيرًا، وأكثر من أن يكون بدون إرادة، لكن الشعب هو الذي يدفع ثمن أداء الطبقة السياسية .
حين يكون الواقع أقسى من الخيال لن يكون الزيدي المسؤول الوحيد الذي يحتاج شفقة، كل العراقيين الذين يعيشون في هذا النفق هم من يحتاجون شفقة أكبر. الزيدي يعوم في البحر المتلاطم الأمواج ، لكن المسؤول الحقيقي هو الأحزاب التي قذفته فيه دون تزويده بأدوات حقيقية للإصلاح .
فالعراق لا يفتقر للثروات ولا للعقول، بل لمنظومة قيم ومؤسسات حقيقية تحمي الثروات وتوظف العقول في خدمة الوطن لا الحزب.
ولان المثل الصيني يقول بدلا من ان تلعن الظلام أشعل شمعة فاقول الحمدلله يوجد من لا يزال يؤمن بأن التغيير ممكن، حتى في زمن انعدام المعجزات.
العراق يستحق الأفضل