الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إحتكار الفرشاة في رسم الصورة

بواسطة azzaman

إحتكار الفرشاة في رسم الصورة

هشام محمد عبدالله

 

كثيراً ما سمعنا عبارة (التاريخ لا يرحم)، في دلالة يبغي قائلها إلى أنّ الأجيال القادمة لن ترحم المزوّرين ولا المتواطئين ولا الخونة الذين لن ينسوا الأحداث وما جرّته على المجتمعات، وكنّا نؤمن بهذا المقولة وأحياناً تكون سبباً في جعلنا نحسب حساباً لفعالنا والتاريخ الذي نرويه، فـ(التاريخ لا يرحم)!. في مرحلة سابقة كانت المنقولات الشفوية هي واسطة حفظ هذا التاريخ وهذه الأحداث، وأقلّ منها كانت المنقولات الكتابية، التي قد لا يلجأ إليها مَن عايش التاريخ إلا بعد زمنٍ، وبعد ضمانِ وجوده في بيئة يأمن فيها على حياته، ومع تسارع الزمن وما أحدثته التكنلوجيا من خدمات قرّبت البعيد، ومحت مسافات الوصول إليه، ومع ثورة الإعلام وتقانات الذكاء الاصطناعي، كان المفترض أن يكون التاريخ في مأمن من التزييف والتلاعب، بفضل تحوّل المنقولات الكتابية إلى منقولات جُمِعَت مع الشفوية لتكون بشكلها الأحدث و(الأضمن والأصدق) وأعني بها (الصورة)، وهنا تتحقق مصداقية مقولة (ليس من سمع كمن عاينَ)، فهل باتت الصورة وتجلياتها التقنية هي البديل الضامن لمصداقية المرويات التاريخية، وأقصد المرويات التي عمرها خمسة عقود كزمن تقديري؟

 الذي يبدو أن الصورة لم تكن إلا وسيلة لنقل المرويات والأحداث من زاوية واحدة، تكون هي الممثلة لوجهة النظر التي ينبغي أن تسود أو يُراد لها أن تتسيّد المشهد، نعم نحن أمام وجهتي نظر أو منظورين لتأريخ الأحداث؟ وقطعاً، فإننا أمام منظورين أحدهما يمتلك (السلطة)، وآخر يفتقر إليها، وهنا ستكون الصورة محض وجهة نظر مسيّسة أو مدعومة، أو يراد لها أن تستلب التاريخ المخالف لوجهة النظر تلك، وهنا تظهر سطوة الإعلام المؤدلج الذي سوّغ لنفسه احتكار الحقيقة، وأصبحت أدوات الإعلام أذرع جوهرية في التعبير عن حالة الصراع الناعم الذي يريد طمس حقائق، أو التقليل من أثرها، في مقابل إعلاء مرويات مؤدلجة تتّخذ من سلطتها وسيلة للقمع والتخوين، والعنف المقنن بخليط يجمع بين رؤية مؤدلجة مدعومة وسلطة نافذة ومتحكّمة، ويكتمل مشهد التاريخ والأحداث إذا ما انضمّ (القضاء) إلى هذا الصراع المؤدلج، حيث يتحوّل الرأي المخالف إلى جريمة، سيجد القضاء لها أبواباً عديدة لحشرها في مواد قانونية تجرّم ذاك الرأي وتُلحق بصاحبه الأذى.

وتشهد الساحة الإعلامية بكل تنوّعها حالة من التسابق في الحديث عن مرحلة زمنية معينة، كشيء من المذكرات الشفوية التي تعززها برامج البودكاست أو لقاءات حصاد العمر، أو الشاهد على العصر، وغيرها، وهذه الأمثلة يُراد منها المحتوى وليس العنوان المجرّد لبرامج بهذا الاسم، حيث يتحدّث أحدهم بتاريخ يذكّرنا بحديث المنجّمين الذين يحكون جزءاً من الحقيقة ويخلطون معها مائة كذبة. في اللقاءات الفردية يتفرّد أحدهم ليتحوّل من خائن إلى بطل، ومن مجرم إلى ضحية، ومن منافق وبوق إلى مضطّر ومجبر، ومن رجل سلطة وحزب للسلطة إلى رجل ثورة.

فهل يستطيع بتحولاته هذه أن يزيّف الحقيقة؟ هل يستطيع أن يغيّر تاريخاً محفوظاً وما يزال لم يجفّ مداده، ولم يمت بعد أبطاله ومعاصروه؟ مؤكد أنه لا يستطيع، ولكنه يراهن على قضيتين: الأولى هي الحَجْر، الذي تُمارسه السلطة التي يستند إليها، على الأصوات المخالفة، التي بدورها ينأى أصحابها بالصمت، ليتحوّل أحدهم نسخة واقعية لشخصية (وينستون سيميث) في رواية (1984) لـ (جورج أورويل)، الذي يعيش كمد الصمت والمراقبة والتعذيب ليتحول في النهاية إلى صدى وصوتٍ «للأخ الأكبر»، أما القضية الثانية فهي القدرة على تكرار الزيف حتى يتحوّل إلى حقيقة وبديهية في وعي المجتمع، فتجتمع الصورة تلو الصورة وتتراكم وتعتلي الحقيقة وتدفنها في أعمق نقطة، لا يمكن الوصول إليها وتجليتها إلا بجهود مغامرين لهم القدرة على المطاولة والصبر، ولكن مشكلتهم ستكون دوماً كيف سيفصحون عن هذه الحقائق ويكشفون زيف الأصوات التي تتحكّم بالسلطة وتنفنيد متوالية الكذب، فهم لا يملكون أدوات ولا تستقبلهم القنوات، وإذا فعلت السلطة المتحكّمة بالصورة ذلك، فهي تفعل ذلك كي تعزز الرواية التي يُراد لها أن تكون هي الحقيقة المطلقةفأين هو التاريخ الذي لا يرحم أمام حشود الكَذَبةِ والمدّعين الذين يرسمون لوحات نضالهم المزيّف ويمتلكون وجهاً ذا جلدٍ سميك لا يبالون بقشطه بعد كل انعطافة سياسية تحدث! ومع ذلك فإن التاريخ يشهد ولكنه صبور مثل جمل عبدالرزاق عبدالواحد.

 

 


مشاهدات 27
الكاتب هشام محمد عبدالله
أضيف 2026/06/13 - 2:25 PM
آخر تحديث 2026/06/14 - 5:17 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 233 الشهر 13016 الكلي 15888497
الوقت الآن
الأحد 2026/6/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير