حين يتحوّل الحكم إلى إمتياز.. قراءة في أسباب فساد الطبقة السياسية
حسين باجي الغزي
لم تكن مشكلة الفساد يوماً مرتبطة بانتماء أو هوية أو مكوّن اجتماعي بعينه، بل كانت عبر التاريخ نتيجة طبيعية لاجتماع السلطة المطلقة مع ضعف الرقابة وغياب المحاسبة. فكم من شعارات رُفعت باسم الإصلاح والعدالة وخدمة الناس، لكنها تراجعت أمام إغراءات النفوذ والمصالح عندما وصل أصحابها إلى مواقع القرار.
السؤال الذي يطرحه المواطن اليوم: لماذا يتحول بعض المسؤولين، بمجرد وصولهم إلى المنصب، من دعاة للتغيير إلى جزء من منظومة المصالح؟ ولماذا تظهر حول بعضهم شبكات من المنتفعين تمتد إلى المقربين والمحيطين بهم، وكأن المنصب أصبح فرصة للكسب لا مسؤولية لخدمة المجتمع؟
نفوذ مغلق
إن الخلل لا يكمن في أصل الإنسان أو خلفيته، وإنما في منظومة تسمح بتضخم النفوذ بلا رقيب، وتجعل المال العام مكشوفاً أمام الطامعين. فحين تضعف المؤسسات، وتغيب الشفافية، وتصبح المناصب وسيلة للوجاهة والثراء، تظهر نماذج تستغل الدولة بدلاً من بنائها.
كما أن من أخطر أسباب استمرار الفساد هو تحوّل بعض المواقع العامة إلى مساحات نفوذ مغلقة، تُدار بالعلاقات والولاءات بدلاً من الخبرة والكفاءة. وعندما يشعر المسؤول أن موقعه محمي بالانتماءات لا بالإنجاز، تتراجع روح الخدمة العامة ويحل محلها التفكير بالمكاسب الشخصية وترسيخ النفوذ.
والأخطر من الفساد نفسه هو اعتياده؛ حين يسمع الناس عن قضية تلو الأخرى فلا يعود الخبر صادماً، وحين يصبح السؤال ليس: «هل حدث فساد؟» بل: «كم كان حجمه؟». عندها تدخل المجتمعات مرحلة خطيرة يفقد فيها المواطن ثقته بالقانون وبقدرة الدولة على حماية حقوقه.
ولا يقل خطر الفاسد عن خطر البيئة التي تبرر له؛ فالصمت عن التجاوزات، والدفاع عن المخطئ بسبب القرب أو الانتماء، يمنح الفساد عمراً أطول ويجعله ثقافة بدلاً من أن يبقى حالة مرفوضة. فالأوطان لا تنهض بالمجاملات، وإنما بالشجاعة في مواجهة الخطأ أياً كان مصدره.
لقد أثبتت التجارب أن المال العام عندما يُنظر إليه كغنيمة لا كأمانة تضيع معه فرص التنمية، وتتوقف المشاريع، ويدفع المواطن البسيط الثمن من خدماته وحقوقه ومستقبل أبنائه. فالضرر الحقيقي للفساد لا يقاس بالأرقام فقط، بل بما يهدمه من أمل وثقة داخل المجتمع.
إن التاريخ أثبت أن كل سلطة بلا مساءلة قابلة للانحراف، وكل مسؤول لا يخشى القانون قد تغلبه المصالح الشخصية على الواجب العام.
لذلك لا تُبنى الدول بمحاسبة أشخاص وانتقاء آخرين فقط، بل ببناء مؤسسات قوية تجعل الجميع تحت سقف القانون مهما كان اسمه أو موقعه أو انتماؤه.
فالفساد لا دين له ولا طائفة ولا قومية، وإنما هو سلوك يولد حين تغيب النزاهة، وتضعف الرقابة، ويُقدّم الولاء والمصلحة على الكفاءة وخدمة الناس. وعلاج ذلك يبدأ من دولة عادلة لا تحمي الفاسد ولا تظلم البريء، ومن وعي مجتمعي يدرك أن حماية المال العام ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل واجب كل من يؤمن بأن الوطن أكبر من الأشخاص والمناصب.