أوهام في عالم النشر
فاتح عبد السلام
إذا ذهبت الى إقامة مقارنة بين واقع نشر الكتب في بلداننا والناشرين في الدول المتقدمة، سأجد انهم في هذه الفعالية الثقافية التجارية الإنسانية في كوكب آخر فعلاً.
لا تمتلك الأغلبية الساحقة للناشرين العرب الا الحدود الدنيا من التقاليد الخاصة بصناعة الكتاب. هناك مئات وربما آلاف يحملون لقب ناشر، وهم في الحقيقة بعيدون كل البعد عن هذه الفعالية الراقية، اذ طالما وجدناهم يستنسخون مائة أو مائتي نسخة من «ملزمات» اكاديمية عبارة عن نقولات، لا تميز فيها ويحولونها الى كتب، ليست لها اية قيمة مضافة في اختصاصها أو في تسويق الكتب. وبعض الناشرين يعيشون الوهم في الانتشار العالمي من خلال وضع رقم التصنيف الدولي من دون أن يعوا أن هذا الرقم له اشتراطات كثيرة لكي مفعلا، منها إيداع الكتاب في مكتبة الكونغرس الامريكي او المكتبة البريطانية أو هيئات أخرى تعني بالكتاب، فضلا عن النسخ الالكترونية والسمعية والبصرية.
العلاقة بين المؤلفين والناشرين في بلداننا مباشرة، وتعتمد في الاغلب على مقايضة او بيع وشراء مباشرين، مثل أي بقالة. وفي العالم هناك عتبة لا غنى عنها لاهم كاتب في الأرض وهي الوكيل الادبي. والناشرون العرب هنا ليسوا متهمين بالتجارية التي هي ليست عيباً بحد ذاتها ابداً، ذلك انّ هناك ضحالة متفشية في التأليف اذ يجتاح الاستسهال الغبي مساحات واسعة، ويشبه اكتساح الحرائق الغابات الخضراء في بريطانيا وأوربا في هذا الصيف القاتل . وتحول كثير من الأشخاص من خارج دائرة الابداع او التفكير والثقافة والعلم الى طالبي نشر مؤلفاتهم للوجاهة الاجتماعية والسياسية لدى ناشرين يدركون انهم لن يبيعوا نسخة منها مهما كانت الدعاية لها بسبب عدم صلاحية نشرها في الأساس، لكن ضعف دعم صناعة الكتاب يجعل كثيرا من الناشرين ومعظمهم من الطارئين على عالم النشر مضطرين لقبول النشر مقابل استيفاء كامل ثمن النسخ المطبوعة.
ان الكتب التي تتلقاها أيدينا في معارض الكتب والمكتبات، هي جزء من صناعة راسخة، لها اشتراطاتها في النجاح ، من ورق وحرف وتصميم داخلي وغلاف وتجليد وتوزيع وشحت ودعاية ومراجعات ومجلات داعمة، وقبل ذلك السلامة اللغوية عبر المراجعات الدقيقة، وهذا يقودنا الى سؤال مزمن، لماذا يكون من السهل ان نجد مئات الأخطاء اللغوية والاملائية والطباعية في كثير من الكتب العربية، في حين لن نجد أي خطأ ومن أي مستوى في كتاب ناشره إنكليزي أو أمريكي أو فرنسي؟
وهنا أتحدث عن الكتب الصالحة للنشر وليست تلك التي لا ترتقي لكي تحمل اسم كتاب، وانما هي مسروقات غير منسقة وغير ناضجة بين دفتي كتاب.
fatihabdulsalam@hotmail.com