جمهورية (من وراءك؟)
ياس خضير البياتي
في هذا البلد، إذا أردت أن تعيش مطمئنًا، فلا تُرهق نفسك كثيرًا بالدراسة، ولا تُضيّع وقتك في قراءة القوانين أو السهر على الكتب. المهم أن تعرف ثلاث حقائق أساسية: من شيخ عشيرتك؟ ومن الحزب الذي يحميك؟ وكيف تسرق من دون أن تُعاقَب؟
هنا لا يُقاس الإنسان بما يملكه من علم أو كفاءة، بل بما يقف خلفه من أسماء ونفوذ. المواطن حين يدخل دائرة حكومية لا يُسأل عن شهادته ولا عن خبرته، بل عن الجهة التي تسنده. فإذا كان بلا واسطة، تحولت معاملته إلى ورقة منسية في أدراج الغبار، أما إذا ذكر اسم شيخ نافذ أو مسؤول حزبي، انقلبت الوجوه العابسة إلى ابتسامات واسعة، وفتحت الأبواب المغلقة فجأة وكأن الدولة اكتشفت فيه مواطنًا استثنائيًا.
في هذه الجمهورية الغريبة، يولد بعض الناس وفي أفواههم (توصية رسمية). ابن العشيرة الكبيرة أو الحزب القوي لا يحتاج إلى انتظار وظيفة أو منافسة شريفة؛ يكفي أن يحمل اسمه العائلي أو هويته الحزبية ليحصل على ما يريد. أما ابن الفقير، فيمضي عمره بين الطوابير والاستمارات والوعود المؤجلة، حتى يكتشف أخيرًا أن الوطن لا يكافئ التعب، بل يكافئ القرب من موائد النفوذ.
الدولة هنا لها رأسان: شيخ العشيرة…وشيخ الحزب.
الأول يحكم بمنطق (الفصل العشائري)، والثاني يحكم بمنطق (المحاصصة الحزبية). الأول يجلس في المضيف محاطًا بالوجهاء، والثاني يجلس في المكاتب المكيفة محاطًا بالحمايات والشعارات الوطنية. وبينهما يقف المواطن البسيط، حائرًا، كأنه كائن زائد عن الحاجة في وطنه.
الوظائف لا تُمنح وفق الكفاءة، بل وفق حجم الولاء. المناصب تُوزع كما تُوزع الغنائم: الوزير تابع لزعيم الحزب، والمحافظ مدعوم من العشيرة، والمدير العام صهر لهذه الجهة أو قريب لتلك، أما النائب، فهو مجرد ممثل محترف يجيد ارتداء الأقنعة الوطنية في مواسم الانتخابات.
السياسي في هذا البلد لا يشبه رجل الدولة بقدر ما يشبه شيخ المضيف؛ يتحدث كثيرًا عن الوطنية بينما يدير البلاد بعقلية القرابة والمصلحة. وحوله مجموعة من المصفقين الذين يهزون رؤوسهم موافقة حتى لو كان حديثه بلا معنى. يكفي أن يطلق وعدًا جديدًا حتى يُعامل كفاتح عظيم، رغم أن الطرق ما تزال محطمة، والكهرباء غائبة، والمواطن يزداد فقرًا كل يوم.
أما (شيخ الحزب)، فقد أتقن اللعبة أكثر من الجميع. يتحدث صباحًا عن الدولة المدنية، ثم يعود مساءً ليوزع المناصب والمشاريع على الأقارب والمريدين. وهكذا تحولت الدولة إلى مائدة كبيرة تتقاسمها الجماعات، بينما تُترك بقايا الوطن للفقراء.
الجميع يتحدث عن (هيبة الدولة)، لكن الدولة نفسها تلجأ إلى العشيرة لحل النزاعات، وإلى الأحزاب والمليشيات لحماية القانون. صار القانون يُطبَّق على الضعفاء فقط، أما أصحاب النفوذ فلهم قوانينهم الخاصة وحصاناتهم غير المعلنة.
ثم يتساءلون بدهشة مصطنعة: لماذا يتأخر الوطن؟
والجواب أبسط مما يتصورون؛ فالدولة التي تُدار بعقلية العشيرة والحزب والميليشيا لا يمكن أن تُنتج وطنًا، بل تُنتج (صحن مقبلات سياسية): قليلٌ من الحمص بالطحينة، مع تبولةٍ حزبية وفتوشٍ عشائري، يُقدَّم يوميًا على مائدة الفساد، بينما الشعب يتفرج جائعًا بانتظار رغيف دولةٍ حقيقية.
والأطرف من كل ذلك أنهم ما زالوا يرفعون شعار (بناء المؤسسات)، بينما المؤسسة الوحيدة التي تعمل بكفاءةٍ مذهلة في جمهورية الموز… هي مؤسسة الحرامية!