رئيس الجمهورية والصلاحيات
ليث شبر
تمتد علاقتي بالسيد رئيس الجمهورية الدكتور نزار آميدي إلى ما يقارب العشرين عاماً، وهي مدة كافية لأن تمنح الإنسان فرصة لمتابعة تطور الشخص وتجربته وطريقة تفكيره، بعيداً عن الانطباعات العابرة التي ترافق عادة لحظات الصعود السياسي. وخلال هذه السنوات ظل الرجل قريباً من قلب المؤسسة الرئاسية نفسها، يتابع تفاصيلها، ويعرف نقاط قوتها وضعفها، ويشاهد عن قرب كيف تُدار العلاقة بين الرئاسة وبقية مؤسسات الدولة.
ولعل هذه هي المرة الأولى منذ سنوات طويلة التي يصل فيها إلى قصر السلام رئيس يعرف المؤسسة من داخلها ويعرف تفاصيلها قبل أن يجلس على كرسيها. فقد عمل مع الرئيس الراحل جلال طالباني، وعمل مع الرئيس فؤاد معصوم، وعمل مع الرئيس برهم صالح، ثم انتقل إلى مواقع تنفيذية وحزبية متعددة، وصولاً إلى وزارة البيئة، ثم رئاسة المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكوردستاني، قبل أن يتسنم منصب رئيس الجمهورية. وهذه الخبرة المتراكمة تمنحه ميزة لا تتوفر دائماً لمن يصل إلى الموقع من خارجه.
ومنذ عام 2005 وحتى اليوم ظل الجدل قائماً حول موقع رئيس الجمهورية في النظام السياسي العراقي. فالدستور وضع الرئيس ركنا أولا في السلطة التنفيذية إلى جانب مجلس الوزراء، لكنه منحه صلاحيات محددة مقارنة بصلاحيات رئيس الحكومة. ومع مرور السنوات بدأت الرئاسة تفقد الكثير من حضورها السياسي، حتى بدا المشهد وكأن مركز الثقل التنفيذي انتقل بالكامل إلى رئاسة الوزراء، فيما اكتفت رئاسة الجمهورية بأدوار بروتوكولية أو توافقية في أغلب الأحيان.
حضور استثنائي
وقد كان الرئيس الراحل مام جلال آخر رئيس امتلك حضوراً استثنائياً تجاوز حدود النصوص الدستورية. ولم يكن ذلك بسبب الصلاحيات المكتوبة، وإنما بسبب شخصيته، وتاريخه، وعلاقاته، وقدرته على جمع الخصوم حول طاولة واحدة. وبعد رحيله دخلت الرئاسة مرحلة مختلفة. حاول الدكتور فؤاد معصوم الحفاظ على التوازن، ثم جاء الدكتور برهم صالح حاملاً مشروعاً أكثر نشاطاً، غير أن الإشكالية بقيت قائمة، لأن العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ظلت تدور غالباً حول سؤال الصلاحيات والحدود الفاصلة بين الموقعين.
وفي كثير من المحطات لم يكن الخلاف على النصوص بقدر ما كان خلافاً على الصلاحيات وتفسيــــــر النصوص. فالرئيس بحسب الدستور هو رمز وحدة البلاد، ويسهر على ضمان الالتزام بالدستور، ويصادق على القوانين والمعاهدات والأحكام الخاصة، ويمارس مجموعة من الصلاحيات السيادية المهمة. لكنه في الوقت نفسه لا يمتلك أدوات الإدارة اليومية التي تمتلكها الحكومة. ومن هنا ولدت مساحة رمادية ظلت محل شد وجذب طوال السنوات الماضية.
وفي لقائي الأخير مع السيد رئيس الجمهورية بعد تسنمه المنصب، وجدت أمامي رجلاً يحمل طموحاً واضحاً لاستعادة دور الرئاسة داخل المعادلة الوطنية. ولم يكن الحديث عن الصلاحيات بمعناها التقليدي، بل عن المكانة والدور والتأثير. وكان واضحاً أنه ينظر إلى السنوات الأربع المقبلة بوصفها فرصة لإعادة بناء المؤسسة الرئاسية على أسس أكثر فاعلية وحضوراً.
ولم تمض أيام على تسلمه المسؤولية حتى بدأت ملامح هذا التوجه بالظهور. فالرئاسة تحولت إلى ما يشبه خلية العمل الدائمة، وبدأت عملية مراجعة واسعة للملفات، وإعداد برامج وخطط تمتد على مدى الدورة الرئاسية كاملة. وهذا بحد ذاته تطور مهم، لأن كثيراً من مؤسسات الدولة اعتادت إدارة يومها بيومه، بينما تحتاج المؤسسات السيادية إلى عقل استراتيجي يفكر بالسنوات لا بالأسابيع. ويُضاف إلى ذلك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو اختيار كفاءة عراقية لإدارة ديوان رئاسة الجمهورية متمثلة بالدكتور يحيى المحمدي. فنجاح المؤسسات لا يرتبط بالرئيس وحده، وإنما بالفريق الذي يعمل معه وهو فريق فيه من الكفاءات والخبرات القادرة على تحقيق مطامح الرئيس. والدول الحديثة تُبنى بالمؤسسات لا بالأفراد، ولهذا فإن وجود إدارة مهنية قادرة على تحويل الأفكار إلى برامج، والبرامج إلى نتائج، يمثل عنصراً حاسماً في نجاح أي مشروع إصلاحي داخل الرئاسة أو خارجها.
ومع كل ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في استعادة حضور الرئاسة فقط، وإنما في إعادة تعريف دورها داخل الدولة العراقية الحديثة. فالعراق اليوم ليس عراق عام 2005، والعالم نفسه لم يعد كما كان قبل عقدين. التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والبيانات، والتحولات الجيوسياسية، كلها تفرض مفهوماً جديداً للمؤسسات السيادية
ومن هنا تأتي رؤيتنا في المبادرة الوطنية للإصلاح. فنحن لا ننظر إلى رئاسة الجمهورية بوصفها مؤسسة بروتوكولية أو تشريفية مثلما يشاع عنها، وإنما بوصفها المؤسسة الأقدر على أن تكون نموذجاً وطنياً يحتذى به في الإدارة الذكية والحوكمة الرشيدة والتخطيط الاستراتيجي. وإذا كانت الحكومة تدير شؤون الدولة اليومية، فإن الرئاسة تستطيع أن تقود عملية بناء النموذج المؤسساتي الأعلى للدولة العراقية.
فرصة نادرة
ولهذا فإننا نرى أن السنوات المقبلة تمثل فرصة نادرة لتحويل رئاسة الجمهورية إلى مؤسسة ذكية متكاملة، تعتمد البيانات في اتخاذ القرار، وتبني مراكز تفكير وخبرات وطنية، وتستثمر الطاقات العلمية العراقية في الداخل والخارج، وتؤسس منظومات قياس ومتابعة وتقييم تجعلها قدوة لبقية مؤسسات الدولة. العراق يحتاج اليوم إلى مؤسسات تلهم قبل أن تدير، وتبني قبل أن تراقب، وتفكر قبل أن تستجيب للأحداث. وإذا نجحت رئاسة الجمهورية في أن تكون هذا النموذج، فإنها لن تستعيد دورها فقط، بل ستسهم في إعادة تعريف معنى الدولة العراقية نفسها خلال السنوات المقبلة.