تجليات الحوار والمشهد: انسجام الكلمة والمعنى في رواية (منازل العطراني)
غازي سلمان
( الذاكرة شكل من اشكال الاسطورة الشخصية، لانها تنتقي ماهو مهم بالنسبة لهوية المرء وقدرته على البقاء، وهي حريصة على انتقاء الموارد المحملة بالمعنى اكثر من حرصها على الدقة الواقعية بالمعنى الموضوعي) بول ريكور
منح الكاتبُ جمال العتابي (منازلَ العطراني) نسقا حكائيا مستمدا من سيرة حياة ( محمد الخلف) كشاهد فاعل على احداث تاريخية، ابتدأت من عهد ثورة 14 تموز1958 ثم انقلاب البعث عام 1963 مرورا بمتغيرات انقلابية متتالية، لينتهي مطاف احداثها قبيل احتلال العراق وسقوط النظام الديكتاتوري عام 2003، أعاد الكاتب عبر ملكته التخييلية تشكيل الحكاية" الخام"، معتمدا كثيرا من مكوناتها لينتج منها مادته السردية التخييلية وينظم العلاقات بينها وبين مرجعياتها الواقعية، ما جعلها تنتظم في علاقة مزدوجة معها وبخاصة الأحداث والشخصيات وامكنتها والازمنة المتعاقبة. وبذلك تكون منازل العطراني قد احتفت بالزمن، الذي لا يمكن ادراكه الا من خلال السرد، تلمس الكاتب من خلاله اثاره على الامكنة وعلى شخصيته المحورية "محمد الخلف" وشخصيات الرواية الاخرى وعلى المجتمع العراقي ككل، برؤية متأملة، راصدة وناقدة، مستثمرا لغة حوارات شخصياته بمحمولاتها الضمنية، فمنح ( الفعل السردي رؤية شاملة استوعبت مناطق الموصوف الحدثي المباشر لتحول الاحداث الى "فرجة معرفية" تكمن في الاوصاف والافعال والاحالات الضمنية وتقدير المواقف)1 واتسم مسار احداث الرواية بتتابع كورنولوجي الا انه ظل مرتبطا بمسار تدفق افكار وذكريات المحكي ما منح النص بنية لا كورنولوجية موازية لبنية الرواية.
وقد سعى الكاتب لتوظيف الحوار بأنماطه المتعددة بحضور وافر، باعتباره عنصرا تكوينيا في البناء السردي الى جانب عناصر السرد والخصائص الاسلوبية الاخرى، بوعي سردي متقن أثمر تناغمها عن نحت شخصيات نابضة بالحياة، مذيبا بذلك الحدود الفاصلة بين السرد ولغة الحوار التي ضمّنها مفردات بعينها، أبعدت لسان الشخصيات عن نمطيته، وإبانة أبعادها النفسية والاجتماعية والسياسية،ما منح كل شخصية منها ملامح دلالية مغايرة ترسخ في الذاكرة، وبهذا يغدو الحوار بؤرة لصياغة دلالات الحبكة الروائية، وكشف ملابساتها، فارتقى بالمسار الدرامي نحو ذروته، فالكلمة هي اداة الوعي، تعبر عن الفعل الأيديولوجي وبخاصة العلاقات الاجتماعية، ولكي نفهم البنية الادبية للرواية لابد من الاعتماد على لغتها أداةً لتجسيد الموقف الاجتماعي كما يؤكد باختين. وما اللغة الا (مسكن الوجود) فهي تحيلنا الى المكنون النفسي للشخصيات المتحاورة. وتجلى الحوار بجميع انماطه بالضرورة، في"منازل العطراني" داخل فضاء الحدث الطويل لحبكتها، الذي صاغته شخصياتها وشُيّدت على أساسه الحكاية، يُعبّرعما أغفله الرويّ وصفا وتحليلا، ليغطي أكثر المقاطع الروائية تمثيلاً للمستويات الفكرية المتباينة بين الشخصيات المتحاورة وما يختلج في وجدانها من مشاعر ورؤى، وقد اتضح التباين جليا في حوار شخصيات محورية واخرى ثانوية: "محمد الخلف، خالد، زهرة الأم ، نوار، عامر، عباس، و شكرية و خيون"و بما ينسجم وتنوع ماهية الحدث وسعته في لحظات وقوعه وضرورات حضورهم فيه ايضا. فيما اكتسبت المشاهد الحوارية الناتجة عن تداخل الحوار مع الوصف الحركي والسياقين المكاني والزماني، اهمية مساهمتها في بناء النص، وترهين الاحداث وبسطها حاضرة امام المتلقي فكلما توقف الراوي برهة، بانتظار دوره في معاودة مهمته ثانيةً، منح الفرصة امام كل من: الشخصيات لإنجاز الفعل الحواري، والمتلقي لمتابعة الاحداث باعتباره مشاركا في العملية السردية. وقد تغلغلت المشاهد الحوارية الى صفحات "منازل العطراني" لتغمر افضية نصها كاملة، اذ لا تكاد تخلو صفحة منها، لارتباطها طرديا بانماط الحوار المختلفة.
توارى الكاتب خلف الراوي، الذي سيصطف مشاركا ومعاضدا، الى جانب محمد الخلف والشخصيات الاخرى، منذ اولى الصفحات، من خلال تقديمه لها، معقبا عن مواقفها ومفسرا لها، يقدم نفسه بشكل مباشر، ومبلورا دوره دون ان يظهر كشخصية مؤثرة في رسم الاحداث، نائيا بنفسه عن شخصياته المتحاورة ليمنحها استقلالها عن سطوته، فترك لها حرية التعبير، واشراكها في تقرير مسار الاحداث عبر منطوقاتها التي تحتمها طبيعة وصفات كل شخصية ورؤاها المتولدة، وإن اختلفت او تناقضت مجمل الرؤى مع رؤيته، وبهذا الانسحاب الواعي، استهدف الكاتب إحالة المتن الدرامي الى حقل السرد، كسرا لرتابته واثراءً لحبكته، فلم يكن الحوار مجرد وسيلة بل صار غاية جمالية تخلق وعيا اعمق بالواقع، وتشد الانتباه للنفاذ الى ثيمة الراوية، وهكذا تحول الحوار الى بوح واعتراف: مرآة تعكس المشاهد الحوارية الى ذهن المتلقي ممسرحةً، التقى عبرها بالكاتب مجددا، ليس بوصفه متسلطا، بل شريكا في شهادة البوح، فصار الى جانب محمد الخلف وولده خالد خصوصا، مكملين للمشاهد الحوارية حيث تتقاطع عندهم كافة العناصر السردية التي سخرها لهم الكاتب.
وعلى الرغم من منح شخصياته المتحاورة حرية التعبير، الا ان هذه الحرية لم تكن مطلقة، فشخصية " محمد الخلف" تبدو مقيدة في مشهدين حواريين، حيث يتعمد الكاتب كتم صوتها او تجنيبها سجال محاوريها، سواء مع زوجته او ابنه خالد او صديقه صالح كيطان، حيث تجلى هذا الكبح في عزوف "الخلف"عن مطاولة الحوار والذود عن ثوابت مواقفه، وكأن الكاتب أراد به صمتا دراميا محسوبا. ففي حواره مع صالح كيطان بشأن أسباب الحكم عليه بالسجن لمدة عام وفصله من وظيفته كمعلم، بتهمة شتم (الزعيم) والتحريض على التمرد، وكيف ساومه المحقق العقيد، يخبر الخلف صديقه:
:- ما كان امامه سوى مساومتي في شتم رموز انتمائي السياسي والفكري مقابل الافراج عني، واجهتها برفض شديد..
يرد عليه صالح:
:- هل هذا صحيح في اعتقادك؟ ان تترك عائلة بهذا العدد، ماذا يحصل لو شتمت الرموز يا اخي..؟
:-إرحمني يا صالح استعين بك لا تجلدني اكثر ارجوك (ص19)
وحين حدثه ولده خالد ( في نبرة صوت موشومة باللوم ) مذكرا اياه بحماسته السياسية خلال عهد ما قبل 14تموز 1958 مخاطبا:
(اسمح لي بالقول: كنت شخصا اخر بعد هذا التاريخ! أليس كذلك ابتي!؟
مناجيا: لم يرد محمد الخلف، تكتم منسحبا الى داخله
( تهيأتُ لتعنيفه لأني لم اسمعه يتحدث معي بهذه اللهجة لكني سرعان ما ترددت بعد ان أظهر لي مودة واسفا..) ص50
افتتح الكاتب سرديته بصوت ضمير المتكلم عبر شخصية (محمد الخلف) ليشرع في استعادة ماضيه تذكرا، دون ان يبرر هذا التذكر الاقرب الى الاعتراف، متسائلا (اين المسار..؟) كتمهيد استباقي للروي، وايمائي لتصور مستقبلي لما سيحدث، وسيستمر راويا رئيسيا لثيمة الرواية والصوت المعبر عن افكارها، والممسك بنسيجها السردي"وإن اقتسم ولده خالد قد معه فعل الروي" وقد تماهى صوته الاتوبيوغرافي وهو يروي، مع صوت مونولوجه الداخلي ومناجاته لذاته، فـ (المحكي بضمير المتكلم يقترب كثيرا من المونولوج المستقل يكون وضعه الإعتباري السردي ملتبسا مثلما يكون موضوع نزاعات حدودية)2 وبذلك اتخذ السرد مسارين متداخلين، الأول يعتمد على استعادة احداث تماضت، وفق تقنية الاسترجاع والثاني استحضار وقائع الماضي بصوت محمد الخلف مخاطبا المستمع الضمني، فألزمه بأستقبال كلا الصوتين في آن واحد، وكأنه امام (أنا) مزدوجة تفرض الانصات اليها، ليغدو النص السردي حمّالا لتداخلات ضميرين لشخصية واحدة.
والمونولوج هو أول أنماط الحوار الذي تبناه الكاتب، كتقنية سردية تهدف لاستحداث شكل تخييلي لا سردي ، تبني الحدث وترصد تشظي الذات عبر خطّية سردية تكشف معالم الشخصية ورؤيتها المبتلاة بفوضى الوجود، كما اشار جيمس جويس، متداخلا (المونولوج) مع تأثير انعكاس الشحنات النفسية التي تفرزها التفاصيل الدقيقة للأحداث التي كان لابد للكاتب من الركون اليها لتوثيق الواقع الذي عايشته شخصياته في امكنة متعددة وازمنة مختلفة، ليجعل من البوح مشهدا دراميا قائما بذاته، فبعد ان هرب محمد الخلف من سجن الكوت اثناء انقلاب البعث على حكم الزعيم عبد الكريم قاسم عام 1963 قرر ان يشارك بمظاهرات مناهضة للسلطة الجديدة ولم يزل بعد يرتدي اسمال السجن!،حيث وجد نفسه مقموعا تارة أخرى جراء امعان الحكم العسكري الجديد بالقمع، والاثار المهولة التي خلّفها، هنا يتفجر مونولوجه متسائلا :( اين المسار؟ وقد بتَّ ليلتك في بيت احد اصحابك..) هذا التساؤل حوّل منامه الى ساحةِ كوابيس ووشى بتنامي مشاعر قلق جراء حيرته بمصيره بعد انعتاقه الجسدي دون النفسي، فتصوراته واماله تهتزان: (أذهب إلى الفراش كي أستريح، أصبح النوم صعباً، كم أيقظتني الكوابيس؟ لم أتمكن من مواجهة الوحدة قواي مدمرّة واعصابي التي انهكتها القضبان ضعيفة..) ص32 ثم يبلغ ذروة العتمة:(.. لِمَ التذكر مادام الطريق يمنح عتمة دائمة ومدى شديد الاتساع..؟) ص61 ليردف بجَلد ذاته بمرارة:(.. انت أيها المغوار تقاوم الهزيمة وحدك !)ص 74 وكأنه يتوجع ندما: (لماذا أسلمنا أنفسنا للذبح؟ لم نعد نقرأ في كتبنا سوى اللغو) ص91
اهتم الكاتب ايضا بتوظيف الاحلام والكوابيس باعتبارهما تمثلات لا شعورية شأنها شأن المونولوج للتعبير عن الهواجس المتولدة عن الاضطراب النفسي للشخصيات، وإضاءة الجوانب المعتمة من عوالمها ، وبهذا يثري الكاتبُ لغةَ السرد بالاستبطان حين يتشابك الحلمي مع اللحظة المعيشة، حتى يصعب الفصل بينهما، اذ تتحول الاحلام الى كوابيس والكوابيس الى هواجس كنتيجة لتداخل الحلمي مع النسيج السردي. فصوت الحالم يصبح "ساردا" بنبض ايصالي معبر عنه باللاوعي، وهوما يمكن تسميته بـ" التماهي الحكائي" حيث يؤثر الحلم في التنامي المطرد للسرد الذي اعتمد حكاية "محمد الخلف" المركزية التي ما لبثت ان انبثقت منها حكايات اخرى، لتخلق دينامية جديدة للنص السردي، خلخلت متابعة تطورات الحكاية الأم، وتجسد مثل هذا التداخل في حادثة مغادرة "الخلف" بيت قريبه عباس في "العطرانية" خشية من وشاية احد الجيران على امل العودة اليه بعد الاطمئنان من خطورتها لكنه سرعان ما ينزلق الى كابوس يقضة:
(واصلت السير أحثُّ جسدي على تحمل الألم، في وميض خاطف مرّ امام عينيّ لم أر خلاله سوى قبضتين أخذتا تتعززان في لحم عنقي : قف"!.. وقفت.)
( الى اين: من أوحى لك بتغيير الاتجاه: انك تحاول عبثا تغيير اتجاه السهم، توهم نفسك بان هذا الانحراف جادة أخرى يجنبك العقاب، يمنحك وعدا بالنجاة.. من ادخلك في هذه الورطة؟
استدرتُ كالآلة ثم سرت خائفاً..) (بعدما افقتُ كان عباس قد افترش القش لينام بين حطام طين مهدمة، صحا على صيحتي فرك عينيه مع اول خيط للفجر، ثم وقف ينظر الى وجهي المنمش بحبّات عرقٍ، كاد ان يمسك ببقية حلم مضاع.
-:( مابك ياخال اتشكو من شيء ؟ قلت لا.) ص61- 62
لنكتشف بالتالي ان"النص المروي" لم يكن الا حلما، وان السرد لم يكن يحكي حلما بل صار الحلم هو الذي يسرد الواقع.
ان اول ظهور لـ"خالد" زائرا لأبيه في السجن حين كان صبيا، في ص9 من الرواية، ثم جاء محمولا في حيثيات حكاية"حسنة" المرأة العاقر وزوجها الشكاك، الذي لم يكد يُشبع نشوة انوثتها، ص37 وهي احدى الحكايات الجزئية الكثيرة التي زخرت بها الرواية، نتيحة لاستقطاب حكاية محمد الخلف لرواة ومتحاورين كثر لهم علاقات قربى به و صداقة، ما انفكوا يخوضون معه دوامة محنته، واسهموا في طُرز نسيجها بحكايات متعددة، سواء أكانت مرتبطة بأصل سيرته ام لا، وهو ما اذكى نشاط ذهن المتلقي لإعادة تشكيل بانوراما متعددة المشاهد. وتاتي حكاية"حسنة" هنا كعتبة نصية متقنة قادت الى شخصية "خالد"مرة اخرى، في الوقت الذي لم تكن الا مجرد تفصيل عابر في رحلة "نوار" الى بغداد، فبعد ان يُطمّأن" نوار" عائلة" الخلف" في بغداد على وجوده في "العطرانية" يصبح الفضاء مهيأً لظهور "خالد"، لم يقدمه الكاتب كمعلومة، بل ليصنع له مشهد ولادةٍ شخصية، استولده سرديا، فما عاد مجرد اسم، بل سيصبح ايضا راويا مناوبا لذاكرة ابيه:
(شهدت تلك السنوات افتتاح اول مدرسة ابتدائية في تلك القرية القصية من ريف الشطرة.. شاءت الصدف ان يُنَسّب اليها إليها نخبة من خريجي دار المعلمين.. منهم عبد جياد ومحمد الخلف، هؤلاء وجدوا في تلك البقعة عالما يستع لاحلامهم الكبيرة، تغمرهم سعادة خاصة، هي ايمانهم بعدالة قضية، اعتقدوا انها اسلوب الحياة الوحيد ويقين مطلق للأفكار الجديدة...) ص 67"من حوار لخالد مع رفيق له في السجن" ففي هذا الاستذكار مارس خالد وظيقته السردية، فهو الارشيف الحي له، يتلقف بحرص ما سقط من حلم الاب، وهو الشاهد الابكر لانكساره، والمحاور بين زمنين الذي ستناط به وظيقة سردية مزدوجة: ( راح الاب يربت على كتف ولده، يهمس له بكلمات رقيقة هادئة الجرس يوصيه بالصبر الجميل مؤكدا له على نحو حازم، ان المرء ايضا يظل صانعا سعادته او شقاءه.) فالاب هنا يمارس دور الواعظ، لكن الابن يردّ عليه بذاكرة تفكيكية حادة، وتوثيقية في آن واحد:(.. في عام 1956 كنتُ اشاركك الاستماع الى الأناشيد الحماسية من إذاعة صوت العرب.. أتذكر جيدا انك شتمت نوري السعيد بعد ختام خطابه في تلك الاثناء بأهزوجة (دار السيد مامونه)..منذ تلك اللحظة اصابني اول ارتباك في الفهم وانا في الرابع الابتدائي، تساءلتُ: ما معنى ان نشتم رأس الحكومة ونحن نهتف صباح كل خميس لتحية العلم: يحيا الملك يعيش الوصي، نرفع صورهم على هاماتنا.. اسمح لي بالقول: كنتَ شخصا اخر بعد هذا التاريخ! أليس كذلك أبتي؟)ص50
وهنا يبدو المشهد الحواري موازيا، خالد الطفل يرفع صورة الملك ويهتف لحياته، ثم يسمع الاب يشتم رئيس حكومته! عبارات استدعت اول" تضاد" سيحكم وعي خالد، ويكشف عن لحظة انكسار مبكرة في منطق ابيه بينما هو يحاور ليُدينَ عبر مسائلته.
إزداد حضور خالد بشكل لافت ابتداءً من الصفحة 53، يدعمه الراوي متجاوزا السرد الخارجي لتفاصيل سيرة حياته الى الغوص في اعماق شخصيته وتوثيق معاناته الاليمة وقلقه الوجودي، حيث جسدت سيرة حياته مسارا تراجيديا لاعتناقه الفكر السياسي اليساري المناهض لانظمة الحكم المتناوبة على حكم البلاد دفع جراءه ثمنا باهضا منذ صباه، وبعد الافراج عنه من السجن عام 1962 تكشفت ملامح شخصيته لتكون اكثر نضجا بالرغم من ما تركه عليه السجن من اثار جسدية ونفسية موجعة، فضلا عن تاثير اوضاع العائلة المعيشية الصعبة التي تكفل هو باعالتها طيلة غياب والده، دفع به ذلك الى لعب دور الاب مبكرا، ولانه لم يخوض تجربة حب حقيقية، تولد لديه شرخ عاطفي عميق وكبتا جنسيا، ظلّ يكبّل انفعالاته، ليغدو ضحيةً لتضحياته المبكرة، ألا انه بدا نموذجا للمثقف اليساري الملتزم، بجراته النقدية لما آل اليه (الحزب) واحوال الوطن، ويعتبر جيله هو الثاني بعد جيل والده الذين كابدا سويا سياسة نظام الحكم الملكي وعايشا ديكتاتوريات العهد الجمهوري بمتغيراته اللاحقة لكنه (..يعيش حالة خوف غريزي من قادم مباغت، ترهقه كثيرا هواجس القلق من الملاحقة، كان خالد يقلب في راسه الاسئلة في راسه كمن يقلب الجمرات بين كثبان الرماد في الكانون، لم يعد بمقدوره أن يتحمل خسارات جديدة مازال فتياً غضّ العود..) ص53
(شعرتُ بغربة في اللحظة التي دخلت بها باب المدرسة بلغ خوفي أشدّه، فالمدرسة في طرف المدينة عند الحد الذي تنتهي فيه البيوت الطينية، تتفتح بنايتها بزاوية منفرجة تحيط بها أكداس من النفايات) ص196
لقد كشفت عبارات الحوار بين خالد وأبيه من جهة، ذرى العلاقة الابوية الحميمة التي وطنت لدى خالد ايمانه واعجابه بكاريزما الاب، والاختلافات الدفينة معه في التوجهات،على حد سواء، وكذا من جهة اخرى، اراء ومواقف ابنه عامر الذي تم إعدامه فيما بعد، وموقف" زهرة" الأم التي افنت العمر للحفاظ على العائلة رابطة الجأش خلال فترات غياب الاب الطويلة في السجون او الاختباء القسري بعد الافراج عنه. لقد اظهر الحوار المشهدي التالي، صراعا وجوديا بين جيلين يسكنان ذات "محمد الخلف"، فـ" فتح الشراع"هو زمن اليقين الايديلوجي في مواجهة السلطة والقمع، و:" تاهت السفن والاشرعة" هو ضياع الامل في المشروع الايديولوجي للمواجهة، بل عبثيتها، وحوّل الاب رمز الامل واليقين الى شخصية منكسرة، ولم يشرح الكاتب عمق تحوله بل راح يراه في انكسار منطوق عباراته.
( احسّ عامر أن صمتا ثقيلا بدأ ينعقد فوق لسانه، ساد جو من العتمة والشّك، نفض عن كتفيه شبح الوجوم:
:- لا اراك يا أبتي إلا متشائما، أفلا تشعر بنفسك أحيانا معزولاً عن الناس غير مشارك في دفقهم الحياتي؟ كنا نسمع منك القول: بدل ان تلعن الريح، افتح شراعك سفينتك لها لتحملك الى ابعد القارات.
- تاهت السفن والاشرعة ياولدي عن أي تشاؤم تتحدث؟.. ان شعلة الحنين الى عالمي الأول لم تنطفيء الى الابد،.. لكني لا استطيع ان انسى ان الشعلة كادت ان تحرقني، تحيلني رمادا، احسها الان قد همدت )ص223
ظلّ محمد "الخلف" ينازع اهتزاز تصوراته واماله، تحاصره مواقف افراد عائلته من جدوى تمسكه بصراط النضال الطويل الى ما لانهاية، بعد ما نالهم من الضيم بسببه، خصوصا بعد اعدام ولده عامر، ما ولّد لديه أكثر من تبرير لمراجعة اليات تفكيره والبنيات والقيم السائدة. فاستمر في سفر امتد سنوات بحثا عن ملاذات أكثر أمنا بعيدا عن عيون رجال اجهزة الامن، متخذاً اسم (محمد العطراني) كنية جديدة التي دُوّنت في هوية الأحوال المدنية الجديدة لصرف الانظار عن شخصيته الحقيقية المحكومة قضائيا، فكان ان أختار بدءا (قرية العطراني) ملجأً آمنا حيث أبناء عمومته. والتحق الى بغداد مسكنا ملتحقا بعائلته، ليحسم امره أخيرا هنا، بأن حطّ ثقال سنين طوال من النضال السياسي جانبا، وتجلى هذا الحسم في رده على اقتراح "سليم صديق ولده خالد" بالعودة الى تنظيم (الحزب) : (أنا يا صديقي حتى الجهات الأربع ضيعتها، أبدو كمن علق في فضاء فارغ في مهب رياح عاتية .. ذاكرتي لا تعمل كما ينبغي .. شيء ما يموت في مكان بعيد..) ص208' وهنا يتجلى صدى صوت صديقه صالح كيطان كـ"أنا عليا" كمنت في "لا وعيه" منذ خاطبه (أصبحت الأماني هباء يا محمد) ليردّ محمد الخلف:( نعم يا صالح لقد توارى زمن الامال، استحالت الى ركام ) ص9
ان كلا الحوارين ينمان عن اعلان أخير لموت الحلم، فتضييع الجهات الأربع ماهو الا انسجام بين الشعور باليأس ومشهد التيه.
لكن "محمد العطراني"لم ينكفيء تماما، فهزيمته في السياسة لم تكن قادرة على اغتيال المثقف فيه، والشخصية التي نذرت عمرها لصراط النضال المرير هي ذاتها المعطاءة التي ابدعت في فنون المسرح والشعر والقصة ونشرت نتاجاتها في صحف ومجلات، وبيعت لوحاتها في معارض الفنون، لذلك حين رأى نكسة "مشروع الحزب" أبى ان يبقى معلقا في فضاء فارغ بل وجد ضالته في التعبير الجمالي عن الذات. ليذود بها عن نفسه لسعات الاخرين، وضغط ركام الامال غير المتحققة، املا ان تشعره باستراحة محارب يبحث عن الامان وصفاء الذهن.
* رواية " منازل العطراني" للكاتب د. جمال العتابي – منشورات الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق-ط1- 2023
. مقدمة سعيد بنكراد لكتاب " اليات الكتابة السردية" لامبرتو ايكو1
2. حسن المودن- المونولوج الداخلي في موسم الهجرة الى الشمال- موقع سعيد بنكراد