التحكيم الدولي يفرض هيبته.. الصافرة العربية ترسم صورة مشرقة في المونديال
النجف - نجم عبد كريدي
مع إسدال الستار على الجولتين الأولى والثانية من دور المجموعات في كأس العالم 2026، سقطت الكثير من التوقعات المسبقة، وتبددت حسابات الورق أمام واقع المستطيل الأخضر، لتؤكد كرة القدم مجدداً أنها لعبة المفاجآت التي لا تعترف بالأسماء الكبيرة ولا بتاريخ المنتخبات بقدر ما تعترف بالعطاء داخل الملعب.
وإذا كانت المنتخبات قد خطفت الأضواء بنتائجها ومستوياتها المتباينة، فإن التحكيم العالمي كان أحد أبرز الرابحين في الجولة الافتتاحية، بعدما نجح حكام البطولة في إدارة المباريات بكفاءة عالية، وسط انخفاض ملحوظ في الأخطاء المؤثرة على النتائج، الأمر الذي يعكس حجم العمل الذي قامت به لجنة الحكام في الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بقيادة الاسطورة العالميةالايطالية «كولينا» خلال فترة الإعداد للمونديال.النسخة الحالية من البطولة شهدت مشاركة نخبة حكام العالم، حيث ضمت القائمة 52 حكم ساحة و88 حكماً مساعداً و30 حكماً لتقنية الفيديو (VAR)، فضلاً عن إدخال ابتكارات تقنية حديثة أبرزها كاميرات المنظور الشخصي (POV) المثبتة على رأس الحكام، والتي منحت الجماهير رؤية أقرب لطبيعة القرارات التحكيمية داخل الملعب.
مستوى متميز
وعلى الرغم من المستوى المتميز الذي قدمه جميع حكام الجولتين الأولى والثانية ، فإن العديد من الخبراء والمراقبين أجمعوا على أن الفرنسي «كليمان توربان» كان الأبرز بين الجميع، بعد قيادته المواجهة الصعبة بين إنجلترا وكرواتيا. فقد أظهر شخصية قوية وحضوراً مؤثراً داخل الملعب، إلى جانب تمركز مثالي وقرارات دقيقة وقدرة كبيرة على السيطرة على مجريات اللقاء، لينال تقييماً مرتفعاً من لجنة الحكام في الفيفا ويُصنف كأفضل حكم في الجولة الأولى.وفي الوقت نفسه، برز عدد من الحكام العالميين الذين قدموا مستويات راقية، من بينهم الباراغواياني خوان غابرييل بينيتيز الذي أدار مواجهة ألمانيا وساحل العاج باقتدار كبير، حيث تميز بثبات قراراته وحسن إدارته للمباراة، محافظاً على انسيابية اللعب دون التفريط بفرض هيبته على أرض الملعب.
كما سجل الحكم الصيني ما نينغ حضوراً لافتاً خلال قيادته مباراة الإكوادور وكوراساو، مؤكداً مجدداً مكانته كواحد من أبرز حكام القارة الآسيوية، بفضل شخصيته الهادئة وتطبيقه المتوازن لقوانين اللعبة وقدرته على التعامل مع مختلف الحالات التحكيمية بثقة واحترافية.
لكن الجانب الأكثر إشراقاً في المشهد التحكيمي للمونديال حتى الآن يتمثل في التألق العربي اللافت، حيث قدم الحكام العرب صورة مشرفة تؤكد التطور الكبير الذي تشهده الصافرة العربية خلال السنوات الأخيرة.
فالحكم المصري أمين عمر، والأردني أدهم مخادمة، والمغربي جلال جيد، والجزائري مصطفى غربال، نجحوا في اجتياز اختباراتهم الأولى بامتياز، وأداروا مبارياتهم بثقة واقتدار، وسط إشادات واسعة من المتابعين والخبراء، ليؤكدوا أن الحكم العربي بات رقماً صعباً في أكبر المحافل الكروية العالمية.
ولم يقتصر النجاح العربي على حكام الساحة فقط، بل امتد إلى تقنية الفيديو، حيث يواصل المصري محمود عاشور والمغربي حمزة الفارق ترسيخ مكانتهما بين نخبة حكام الـVAR في العالم. فالثقة المتكررة التي تمنحهما إياها لجنة الحكام في الفيفا للمشاركة في إدارة أهم المباريات تعكس حجم الكفاءة والخبرة التي يمتلكانها في التعامل مع أدق الحالات التحكيمية وأكثرها تعقيداً.إن ما يقدمه الحكام العرب في مونديال 2026 لا يمثل نجاحاً فردياً فحسب، بل يعد ثمرة سنوات من العمل والتطوير والاستثمار في الكوادر التحكيمية العربية، وهو ما انعكس بوضوح على جودة الأداء والثقة التي يحظون بها من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم.وبينما تتجه الأنظار إلى الجولات المقبلة من البطولة، يبقى الأمل كبيراً في أن تواصل الأطقم العربية حضورها المميز، وأن تمنح التحكيم العربي المزيد من التألق والنجاح في أكبر حدث كروي على مستوى العالم.وإذا كانت الجولة الأولى قد أثبتت شيئاً، فإنها أثبتت أن التحكيم العالمي يعيش حالة من الاستقرار الفني المميزة، وأن الصافرة العربية باتت جزءاً أساسياً من هذا النجاح، ليس بالمشاركة فقط، بل بالمنافسة والتفوق أيضاً.
التحكيم العربي بخير... بل إنه يؤكد يوماً بعد آخر أنه قادر على الوقوف بثقة بين كبار حكام العالم، وأن مستقبله يبدو أكثر إشراقاً من أي وقت مضى.