الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تروح لو والـله  أسويك سِيلْمَه

بواسطة azzaman

تروح لو والـله  أسويك سِيلْمَه

أحمد جاسم الزبيدي

 

حين كنا صغاراً في مطلع الستينيات، كانت تزورالمحاويل  بين حين وآخر سيارة السينما المتنقلة، لكننا لم نكن ننطقها «سينما»، بل «سيلما». وكانت المناسبة بالنسبة لنا عيداً شعبياً مصغراً، نترك اللعب والواجبات وحتى الأكل أحياناً لنركض خلف السيارة قبل أن تتوقف قرب القائمقامية ، حيث يتحول الجدار الأبيض إلى شاشة عملاقة تنافس أكبر دور العرض في العالم... على الأقل في مخيلتنا.

ومن كثرة تعلقنا بها، دخلت «السيلما» قاموسنا الشعبي. فإذا تشاجر صبيان صاح أحدهما بالآخر: «والله لأسويك سيلمه»، وكأن التهديد الأعظم في الدنيا أن يتحول الإنسان إلى فيلم كارتون أمام الناس.

وكان بطلنا الأشهر آنذاك «باباي البحار». ذلك الرجل العجيب الذي يحمل معه علبة سبانخ سحرية، وما إن يلتهمها حتى تنتفخ عضلاته، ويهزم الأشرار، وينقذ الحسناء، ويعيد الحق إلى أصحابه خلال دقائق معدودة.

طبعاً نحن صدقنا الحكاية. أكلنا السبانخ صباحاً ومساءً، وانتظرنا العضلات أن تنمو كما في الفيلم. لكن الذي نما في الحقيقة كان عدد مرات ذهابنا إلى المرافق الصحية، أما العضلات فبقيت على حالها، وكأنها أعلنت الإضراب عن العمل.

 

اليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن، أكتشف أن باباي لم ينقرض، بل تكاثر وتطور.

ففي نشرات الأخبار يظهر يومياً عشرات من أحفاد باباي، لكنهم لا يلتهمون السبانخ، بل يلتهمون شيئاً أخضر آخر اسمه الدولار.

ويا للعجب! ما إن يبتلع أحدهم رزمة خضراء حتى تنتفخ بطنه بدل عضلاته، ويزداد صوته ارتفاعاً، وثقته بنفسه إلى حدود المعجزات، ويبدأ بإلقاء الخطب التاريخية.

أحدهم يقول:

«لو أصبحت رئيساً للوزراء لجعلت العراق جنة عدن

وثانٍ يؤكد:

«لو استلمت السلطة لتحول العراق إلى قمر وربيع

وثالث يقسم بأغلظ الأيمان:

«أنا أملك الحل السحري لكل الأزمات

والمشكلة أن هذه المعجزات كلها لا تظهر إلا بعد تناول كميات مناسبة من «السبانخ الدولارية»، أما قبلها فكانوا بالكاد يعثرون على طريقهم إلى الميكروفون.

وكلما ازدادت الرزم الخضراء، ازدادت الشهية للسلطة، حتى أصبح بعضهم يشبه جهنم في قولها: «هل من مزيد؟»

والأغرب من ذلك أن أحداً منهم لا يصاب بالإسهال رغم التهامه المستمر للأوراق الخضراء، مع أن جيلنا أصيب بالإسهال من علبة سبانخ صغيرة!

وآخر حلقات المسلسل ما سمعناه من السيد عباس البياتي حين أعلن أنه لو أُعطي رئاسة الوزراء لجعل العراق زاهياً مزدهراً منعماً.

ولا أدري لماذا قفزت إلى ذهني فوراً ذكريات «السيلما» القديمة.

فلو خرج واحد من أبناء جيل الستينيات من بين الحضور، لربما قال له ببساطة:

«عمي... تروح لو والله  أسويك سيلمه

 

 


مشاهدات 67
الكاتب أحمد جاسم الزبيدي
أضيف 2026/06/23 - 4:33 PM
آخر تحديث 2026/06/24 - 1:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 123 الشهر 22793 الكلي 15898274
الوقت الآن
الأربعاء 2026/6/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير