الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل ينجح العراق بحكومة ناقصة الصلاحيات ؟

بواسطة azzaman

الوزارات السيادية بين التوافق ومتطلّبات الدولة

هل ينجح العراق بحكومة ناقصة الصلاحيات ؟

حيدر جاسب عريبي البهادلي

 

في اللحظات التي تواجه فيها الدول تحديات أمنية واقتصادية وسياسية معقدة، تصبح مسألة استكمال البناء الحكومي ضرورة دستورية ووطنية لا تحتمل التأجيل أو المناورات السياسية. والعراق اليوم يقف أمام مشهد سياسي حساس، بعد تشكيل الحكومة الجديدة مع بقاء بعض الوزارات دون حسم أو تأخر التصويت على ما يُعرف بالوزارات السيادية، الأمر الذي يثير تساؤلات قانونية وسياسية عميقة حول قدرة الحكومة على أداء مهامها بكفاءة في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

قرار حكومي

إن مفهوم “الوزارات السيادية” لا يرتبط فقط بأهميتها السياسية، بل بطبيعة الدور الذي تؤديه في حماية الأمن الوطني وإدارة السياسة الخارجية وضبط الاقتصاد وإدامة هيبة الدولة. فوزارات مثل الداخلية والدفاع والخارجية والمالية تمثل أعمدة الإدارة العليا للدولة، وأي فراغ أو ضعف أو إدارة بالوكالة فيها ينعكس بصورة مباشرة على كفاءة القرار الحكومي وعلى صورة العراق أمام المجتمع الدولي.ومن الناحية الدستورية، فإن مبدأ التكامل الحكومي يعد من الركائز الأساسية لضمان حسن سير السلطة التنفيذية، لأن الحكومة التي تعمل بنصف أدواتها أو ضمن توازنات سياسية هشة ستكون أكثر عرضة للتعطيل والتجاذبات، وأقل قدرة على تنفيذ برنامجها الوزاري بالشكل المطلوب. كما أن استمرار الخلافات السياسية بشأن توزيع المناصب الوزارية يعطي انطباعاً سلبياً للرأي العام، ويكرّس فكرة أن المصالح الحزبية ما زالت تتقدم على متطلبات الدولة والمصلحة الوطنية العليا.ولا يمكن عزل هذا الواقع عن الظروف الإقليمية والدولية الراهنة، فالمنطقة تمر بتحولات خطيرة تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية مع الصراعات العسكرية والتوترات السياسية، فضلاً عن التحديات الأمنية العابرة للحدود، وتنامي مخاطر الإرهاب والجريمة المنظمة والهجمات السيبرانية. وفي ظل هذه البيئة المعقدة، يحتاج العراق إلى حكومة مكتملة الصلاحيات تمتلك رؤية موحدة وقراراً سريعاً ومؤسسات مستقرة قادرة على إدارة الأزمات والتفاعل مع المتغيرات الإقليمية والدولية بكفاءة عالية. إن تأخر حسم الوزارات السيادية لا يؤثر فقط على الأداء الإداري، بل ينعكس أيضاً على ثقة المستثمرين والأسواق والمؤسسات الدولية، لأن الاستقرار السياسي يمثل عاملاً أساسياً في تعزيز الاقتصاد وجذب الاستثمارات ودعم خطط التنمية.

صراعات ضيقة

كما أن غياب الانسجام الحكومي قد يؤدي إلى تباطؤ تنفيذ المشاريع الاستراتيجية والخدمية التي ينتظرها المواطن العراقي منذ سنوات.

ومن زاوية قانونية وسياسية، فإن نجاح أي حكومة لا يقاس فقط بعدد الوزارات التي تم التصويت عليها، بل بمدى قدرتها على العمل كفريق متكامل يمتلك برنامجاً واضحاً وآليات تنفيذ واقعية بعيداً عن المحاصصة والصراعات الضيقة. فالدولة الحديثة لا تُدار بمنطق التسويات المؤقتة، وإنما بمنطق المؤسسات والكفاءة والاستقرار الدستوري.

إن المرحلة الحالية تتطلب من القوى السياسية العراقية إدراك خطورة استمرار الخلافات، لأن التحديات التي تواجه العراق اليوم لم تعد تحتمل التأخير أو الحسابات الضيقة. فالمواطن ينتظر حكومة قادرة على توفير الأمن والخدمات وفرص العمل وتحقيق الاستقرار، فيما يراقب المجتمع الدولي مدى قدرة العراق على ترسيخ تجربته الديمقراطية وتعزيز سيادة مؤسساته.وفي ظل هذا المشهد، يبقى الأمل قائماً بأن تتغلب لغة الدولة على لغة المصالح، وأن تدرك القوى السياسية أن استقرار العراق لا يتحقق إلا عبر حكومة قوية متماسكة تمتلك الإرادة والقرار والكفاءة، لأن الأوطان في أوقات الأزمات تحتاج إلى رجال دولة، لا إلى صراعات مواقع ومكاسب سياسية مؤقتة.

 

  مستشار قانوني وباحث في القانون الدولي وحقوق الإنسان

 


مشاهدات 43
الكاتب حيدر جاسب عريبي البهادلي
أضيف 2026/05/23 - 1:59 AM
آخر تحديث 2026/05/23 - 2:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 141 الشهر 21699 الكلي 15866893
الوقت الآن
السبت 2026/5/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير