مشكلة المنهاج الوزاري في التجربة العراقية
حسن الياسري
يعدُّ المنهاج الوزاري الوثيقة الدستورية والسياسية التي يترتب عليها منح الثقة للحكومة في الأنظمة البرلمانية.فهو بمثابة «العقد» بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وبمقتضاه يتم مساءلة الحكومة لاحقاً.ومن جهةٍ أخرى لم يعد المنهاج الوزاري في الأنظمة البرلمانية مجرَّد خطابٍ سياسي، بل هو وثيقةٌ تعاقديةٌ بين الحكومة والبرلمان،ومنه تستمد الحكومة شرعيتها السياسية بعد نيل الثقة.وتبدو أهمية المنهاج الوزاري مضاعفةً برلمانياً؛ لأن البرلمان لا يمنح الثقة لرئيس الوزراء فقط، بل يمنحها للحكومة كلها استناداً إلى هذا المنهاج.ما يعني أنَّ المنهاج بحسب طبيعتهِ ليس قانوناً ولا مجرَّد خطابٍ سياسيٍّ، بل هو أقرب إلى أن يكون وثيقةً دستوريةً-سياسيةً، والتزاماً برلمانيّاً، كما أنَّه إطارٌ للمساءلة، إذ يستطيع البرلمان بعد إقراره أن يُسائِل الحكومة عن مدى تنفيذ ما تعهدت به من التزاماتٍ وردت فيه. وفوق ذلك هو أداةٌ للتخطيط العام، إذ يتحوَّل المنهاج في الأنظمة الحديثة إلى خطة تنفيذٍ وأداءٍ ومؤشرات قياسٍ وجداول زمنيةٍ وموازناتٍ مرتبطةٍ بالأهداف.وبخلاف ذلك كله سيغدو المنهاج مجرَّد خطابٍ سياسي أو عَرض نوايا أو قائمةً بالأمنيات السعيدة !!
مبادئ مذكورة
وليس من أحدٍ بناكرٍ أنَّ لدينا مشكلةً في العراق تتعلق بطريقة إعداد المنهاج الوزاري خلافاً للمبادئ المذكورة في أعلاه -التي بحثناها بالتفصيل في الدراسة الموسومة الطبيعة الدستورية للمنهاج الوزاري-.بيد أنَّ مما لا يُنكر أيضاً أنَّ مشكلة المنهاج الوزاري في التجربة العراقية لا تكمن في النص الدستوري البتة، بل في الثقافة السياسية والمؤسَّسية.إذ غالباً ما تكون المناهج الوزارية في العراق : إنشائيةً، غير قابلةٍ للقياس، غير قابلةٍ للمساءلة الدقيقة، غير مرتبطةٍ بالموازنة.فهي :
1-إنشائـــــــيةٌ: مثلاً أن يــــــــــورد المنهاج : مكافحــــــة الفساد،تطوير الاقتصاد، تحسين الخـــــدمات، دون أدواتٍ واضحة.
2-غير قابلةٍ للقياس : إذ لا توجد مؤشراتٌ أو جداول زمنيةٌ أو نسب إنجازٍ محددة.
3- غير مرتبطةٍ بالموازنة : أي لا يوجد ربطٌ حقيقي بين الوعود والتمويل الفعلي.
4- غير قابلةٍ للمساءلة الدقيقة : لأنَّ العموميات تسمح للحكومة بتفسيراتٍ واسعة. وغنيٌّ عن البيان أنَّ رئيس الوزراء المكلَّف غالباً ما يُقدِّم في التجربة العراقية «المنهاج الوزاري» الذي يكون قصير أو متوسط التفصيل (10-20 صفحة مثلاً)، ثم يُتبعها بـما يُعرف بـ «بالبرنامج الحكومي» التفصيلي الذي تُصدره الأمانة العامة لمجلس الوزراء بعد نيل الثقة بعدة أشهر، يتضمن الأولويات والجداول الزمنية ونحو ذلك.وقد أثبتنا في الدراسة الموسومة (الطبيعة الدستورية للمنهاج الوزاري) عدم دقة هذا السلوك ؛ لأنه يسلب البرلمان إمكانية الرقابة على (البرنامج الحكومي) ومن ثم عدم إمكانية مساءلة الحكومة عنه ؛ لأنه صادرٌ عن الحكومة ذاتها ولم يُشفع بعد ذلك بموافقة البرلمان عليه عبر التصويت.
ومن المعلوم أنَّ الأنظمة البرلمانية الحديثة لم تعد تفترض في أن يكون المنهاج الوزاري مجرد (إعلان مبادئ عامة)،بل أصبح أقرب إلى (خطة حكمٍ سياسيةٍ – تنفيذيةٍ – زمنيةٍ).وكلما كان المنهاج أكثر تحديداً،أكثر قابليةً للقياس،أكثر ارتباطاً بالموازنة،أكثر وضوحاً في الآليات والمدد،كلما كانت الرقابة البرلمانية أقوى والمساءلة السياسية أكثر جديةً والثقة البرلمانية ذات معنىً حقيقي.
عقد سياسي
أما المنهاج الفضفاض القائم على العموميات فقط فإنه يضعف فكرة المسؤولية الوزارية ويحوّل الثقة البرلمانية إلى إجراءٍ شكلي أكثر منه عقداً سياسياً قابلاً للمساءلة.ولكي يكون المنهاج الوزاري ناجحاً وقابلاً للتطبيق يجب أن يرتكز على (واقعية الموارد)، فإنَّ تقديم منهاجٍ طموحٍ دون ربطهِ بالموازنة المالية المتاحة يُعد خطأ استراتيجياً ؛ إذ يتحوَّل من كونه «خطة عملٍ تنفيذية» إلى «قائمة أمنيات».وبالمحصِّلة فإنَّ المنهاج الوزاري المثالي هو الذي يجمع بين وضوح الرؤية السياسية (المبادئ) وبين دقة الأرقام والمدد (الآليات والمؤشرات).