دار الهاوية
أحمد كاظم نصيف
قالت له العجوز: أيها الرجل، قف قليلاً حتى أعرض عليك أمراً، أدلُّك على شيء، وأرشدك إليه بشرط ألَّا يكون كلامُك كثراً.
قال لها: هاتي كلامك.
قالت: ستسكن داراً حسنة، وماؤها يجري، وفاكهة ومُدام، ووجه مليح، وخدٍّ أسيل، وقدٍّ رشيق، وتقضي بها أربع سنين! قد تقل قليلاً أو تزيد قليلاً؛ فإنْ فعلت ما اشترط عليك رأيت الخير.
فقال: وكيف قصدتِني بهذا الأمر من دون الخلق أجمعين، فأي شيء أعجبك مني؟
قالت: ما قلت لك لا تكن كثير الكلام وأمضِ معي.
ثم ولَّتْ العجوز المتوحشة، وسار تابعاً لها؛ طمعاً فيما وصفَتْه له، حتى دخل مكتباً فسيحاً (آسف، أقصد داراً فسيحة)، وصعدت به من أسفل سافلين إلى أعلى الهاوية ! فرأى قصراً ظريفاً، فنظر فرأى فيه ما رأى الراؤون أحسن منه، فجلس فشرب، وصفعته على رقبته ! فلما رأى ذلك منها خرج مغضباً ومكثراً للكلام، فتبعته العجوز وجعلتْ تغمزه بعينها (يعني ارجع)، فرجع وجلس فسكتَ ولم ينطق، فأعادت الصفع على قفاه إلى أن أغمي عليه.
فقالت له العجوز: اصبر قليلاً حتى تبلغ ما تريد.
فقال لها: إلى كم أصبر قليلاً وأبلغ ما أريد؟
قالت: إذا سكرتَ بلغتَ مرادك.
فسكر، فجردته العجوز من ثيابه، وضربته ضربة جعلته يترنح، ويتزحلق، وينحدر، ويسقط في الهاوية.