شخصيات من بلادي.. بدري حسون فريد
وجه لا يغيب عن ذاكرة العراقيين
صالح رضا
حين أرسم شخصية بحجم الفنان الكبير بدري حسون فريد، لا أستحضر صورته فقط، بل أستحضر زمنًا كاملاً زمنًا كنتُ فيه واحدًا من أولئك الذين جلسوا أمام شاشة التلفزيون في ثمانينيات القرن الماضي، مأخوذين بذلك الحضور الآسر، وذلك الأداء الـــــذي لا يُنسى.
ما زالت الذاكرة تحتفظ بتلك اللحظات، وأنا أتابعه في أعمال تلفزيونية راسخة، ومن بينها مسلسل «النسر وعيون المدينة» الذي شكّل علامة مهمة في الدراما العراقية، حيث كان حضوره فيه مميزًا، عميقًا، ومليئًا بالصدق الذي يصل إلى قلب المشاهد دون تكلف.
لم يكن بدري حسون فريد ممثلًا عاديًا، بل كان حالة فنية متكاملة.في المسرح، كان أحد الرواد الذين أسسوا لنهضة حقيقية، وشارك في أعمال مهمة تركت أثرًا في بنية المسرح العراقي، سواء من خلال التمثيل أو الإخراج، حيث كان يؤمن بأن المسرح رسالة قبل أن يكون عرضًا. وفي السينما، حضر بقوة في أفلام بارزة، من بينها فيلم «الظامئون»، الذي يُعد من الأعمال المهمة في تاريخ السينما العراقية، حيث قدّم أداءً متوازنًا يجمع بين البساطة والعمق، وهو ما ميّزه عن كثيرين.
أما في المجال الأكاديمي، فقد كان أستاذًا في أكاديمية الفنون الجميلة، وأسهم في إعداد أجيال من الفنانين، ناقلًا إليهم خبرته الطويلة ورؤيته الفنية القائمة على الصدق والانضباط والاحترام العميق للفن.وحين شرعتُ برسم هذا البورتريت، كنت أشعر أنني لا أرسم وجهًا فقط، بل أرسم ذاكرة شخصية لي، وذاكرة جيل كامل. العينان كانتا البداية… فيهما ذلك البريق الذي عرفته منذ سنوات، وذلك العمق الذي لا يمكن اصطناعه. أما التفاصيل الأخرى، فكانت تأتي تباعًا، وكأنها تستجيب لذاكرة داخلية أكثر من كونها مجرد ملاحظة بصرية.
اخترت ألوانًا دافئة، قريبة من الأرض، لأنها الأقرب إلى روحه، وأبرزت القبعة بلونها الأحمر لتكون نقطة جذب، لكنها في الوقت ذاته تحمل دلالة على الحضور والقوة والتميّز. تركت الخلفية هادئة، كي لا تنافس الشخصية، بل تحتضنها بصمت، في انسجام يليق بهيبة هذا الاسم.
أنا في هذا العمل لا أقدّم صورة فوتوغرافية، بل أقدّم إحساسًا… إحساس فنان عاش زمن هذا الرجل، وتأثر به، ويحاول اليوم أن يرد له شيئًا من الجميل عبر اللون. في مشروعي لتوثيق شخصيات من بلادي، أؤمن أن هذه الوجوه ليست مجرد ملامح، بل هي شواهد حيّة على تاريخنا الثقافي، ومرآة لزمنٍ غنيّ بالمعنى والعطاء. وبدري حسون فريد واحد من تلك القامات التي لا يمكن أن تغيب، لأنه لم يكن مجرد فنان، بل كان ذاكرة حيّة تسكن في وجدان العراقيين.
ومن أبرز محطات هذا الفنان الكبير، حضوره اللافت في الدراما التلفزيونية، خاصة في مسلسل «النسر وعيون المدينة» الذي بقي راسخًا في ذاكرة المشاهد العراقي، إلى جانب مشاركاته المتنوعة في أعمال مسرحية أسهمت في ترسيخ قواعد المسرح الحديث في العراق، وأدواره السينمائية المهمة وفي مقدمتها فيلم «الظامئون». كما ترك أثرًا كبيرًا في المجال الأكاديمي عبر تدريسه في أكاديمية الفنون الجميلة، حيث أسهم في إعداد أجيال من الفنانين. إن هذا البورتريت يأتي ضمن مشروع فني يسعى إلى توثيق رموز الثقافة العراقية، بوصفه محاولة وفاء بصري لذاكرة إبداعية لا تُنسى، وإضاءة على وجوهٍ صنعت الجمال ووهبت حياتها للفن.
سيبقى بدري حسون فريد في الذاكرة… كما عرفناه، وكما أحببناه، وكما يليق به أن يُخلّد.