رحلت كوليت خوري .. ايقونة العاطفة والتمرّد
ابراهيم البهرزي
رحلت بالأمس الكاتبة السورية كوليت خوري بكل هدوء كما عاشت، كانت ظاهرة من تلك الظواهر التي أفرزتها ارهاصات الستينيات وما تلاها .
وقد استفز. خبر رحيلها ذاكرتي (ولم اكن اتوقع انها على قيد الحياة)، واستعدت اهتمامات مراهقتي يوم وجدتها فجأة كامرأة شجاعة بين كاتبين اخرين داعبا احاسيسي الاولى هما نزار قباني وإحسان عبد القدوس.
كنت في الصف الثالث متوسط يوم وجدت بين روايات احسان عبد القدوس ذات الأغلفة المثيرة رواية "ايام معه" لكوليت خوري، وشدني ذلك السرد المبسط لعواطف أنثى جريئة كانّها تناجي عواطف مراهق شاب توا يلهث بأنفاس الرغبة.
كوليت خوري ليست مجرد كاتبة رومانسية، بل هي صوت مبكر للمرأة العربية في الأدب الحديث، كسرت القيود التقليدية وفتحت الباب أمام أجيال لاحقة للكتابة بحرية عن الذات والعاطفة.
لقد شهد الأدب العربي في منتصف القرن العشرين ظاهرة لافتة تمثّلت في صعود تيار أدبي يخاطب الوجدان الفردي، ويقترب من لغة العاطفة والتجربة الشخصية، ويضع الحبّ والحرية والتمرد في قلب السرد والشعر، وكان من أبرز ممثلي هذا التيار: كوليت خوري، ونزار قباني، وإحسان عبد القدوس. وقد نجح هؤلاء في الوصول إلى شريحة واسعة من القرّاء، خصوصًا المراهقين والمراهقات، عبر نصوص بدت لهم أقرب إلى حياتهم اليومية وأسئلتهم الوجودية المبكرة.
تميّزت كتابات هؤلاء الأدباء بجرأة في تناول موضوعات كانت تُعدّ حسّاسة، مثل الحبّ الفردي، والجسد، وحرية الاختيار، والعلاقة بين الرجل والمرأة.
ففي رواية “أيام معه” لكوليت خوري، نجد بطلة تعيش تجربة حبّ تتأرجح بين التوق والقيود الاجتماعية، وتعبّر عن ذاتها بصراحة داخلية غير معهودة في الأدب العربي آنذاك، هذا البوح الأنثوي لم يكن مجرد سرد عاطفي، انما هو محاولة لانتزاع صوت المرأة من الصمت، وتأكيد حقها في التعبير عن رغباتها وهواجسها.
أما قباني، فقد حوّل الشعر إلى مساحة اعتراف يومي، بلغة بسيطة ومباشرة، جعلت قصائده قريبة الى القارئ العادي، وخاصة الشباب، في حين قدّم عبد القدوس عبر رواياته وقصصه نماذج لشخصيات تعيش صراعًا بين الرغبة الفردية والقيود الاجتماعية، وغالبًا ما كانت المرأة محور هذا الصراع.
غير أن هذا النجاح الجماهيري لم يُقابله احتفاء نقدي مماثل، فقد تعرّض هذا التيار إلى قدر من الإهمال أو التهميش في الخطاب النقدي العربي، خاصة في العقود التي هيمنت فيها النزعات اليسارية والقومية على الحركة الثقافية، كان النقد السائد آنذاك يميل إلى تقدير الأدب الذي يعالج قضايا الصراع الطبقي، والتحرر الوطني، والهمّ الجماعي، ويُعلي من شأن “الالتزام” بوصفه معيارًا أساسيًا للقيمة الأدبية.
في هذا السياق، نُظر إلى كتابات كوليت خوري قباني وعبد القدوس على أنها تمثّل أدبًا “بورجوازيًا” أو “سطحيًا”، يركّز على العاطفة الفردية بدل القضايا الكبرى، واعتُبرت هذه النصوص، في نظر بعض النقّاد، انعكاسًا لوعي فردي منعزل عن السياق الاجتماعي والسياسي الأوسع، بل وربما نوعًا من الترف الثقافي الذي لا يواكب “معركة الأمة”.
لكن هذا الحكم النقدي، في كثير من الأحيان، أغفل جانبًا مهمًا من وظيفة الأدب: وهو مخاطبة الإنسان في فرديته، والتعبير عن تحوّلات الوعي الشخصي، خاصة في مرحلة المراهقة وبداية النضج، لقد وفّر هذا التيار مساحة للتعرّف على الذات، وطرح أسئلة الهوية والحب والحرية، وهي أسئلة لا تقلّ أهمية عن القضايا الكبرى، بل قد تكون مدخلًا إليها.
إن إعادة قراءة أعمال كوليت خوري، مثل “أيام معه”، تكشف أنها ليست مجرد رواية عاطفية، بل نصّ يعبّر عن صراع داخلي بين الذات والواقع، بين الرغبة والواجب، وهو صراع ذو أبعاد نفسية واجتماعية عميقة. وكذلك الحال في أعمال قباني وعبد القدوس، حيث تتقاطع العاطفة مع البنية الاجتماعية، وإن كانت بطرق غير مباشرة ومجردة من الأيديولوجيات.
من هنا، يمكن القول إن هذا التيار لم يكن نقيضًا للأدب “الملتزم”، بل هو مسار مواز يعالج جانبًا آخر من التجربة الإنسانية، وربما آن الأوان لإعادة الاعتبار له، بعيدًا عن الأحكام الأيديولوجية المسبقة، والنظر إليه بوصفه تعبيرًا صادقًا عن تحوّلات المجتمع العربي في مستوى الوعي الفردي، وليس الجماعي فقط.
في الخلاصة، يمكن القول ان كوليت خوري التي رحلت في دمشق امس عن عمر يناهز التسعين، والتي أنتجت اكثر من ثلاثين عملا بين الرواية والشعر والنقد بالعربية والفرنسية تستحق الالتفات النقدي، ولو متاخرا إلى متنها الإبداعي، خصوصا وقد لفظ النقد الأيديولوجي انفاسه الأخيرة بفعل متغيرات العالم،
لان الأدب الذي يخاطب المراهقين والمراهقات ليس بالضرورة أدبًا سطحيًا.