قاليباف في واجهة التواصل غير المعلن
رفع سقف التمثيل وضبط مسار التفاوض
محمد علي الحيدري
يأتي ترؤس محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني لمسار تواصل غير مباشر مع الولايات المتحدة في سياق إقليمي شديد الحساسية، ليعكس توجهاً مدروساً لرفع مستوى التمثيل السياسي من دون الانتقال إلى تفاوض دبلوماسي معلن. فاختيار قاليباف لا يمكن فصله عن رغبة أميركية موازية برفع سقف ومستوى المفاوضين الإيرانيين، بما يتناسب مع طبيعة التمثيل الأميركي في هذه القناة.
طوال فترة هذا التواصل، لم يكن المفاوضون الأميركيون على صلة مباشرة بوزارة الخارجية، بل جاءوا من دوائر سياسية وأمنية موازية، ما عزز الطابع غير الرسمي للمحادثات وحدد إطارها بوصفها أداة لإدارة الأزمة لا مساراً تفاوضياً تقليدياً. في هذا الإطار، بدا التفاهم الضمني قائماً على مبدأ “تكافؤ المستوى” أكثر منه على تبادل تنازلات سياسية.
حسابات ميدانية
يمثل قاليباف، بصفته رئيساً للسلطة التشريعية وشخصية ذات خلفية أمنية - سياسية، مستوى تمثيلياً أعلى من المفاوضين التقنيين أو الدبلوماسيين، من دون أن يضع الحكومة التنفيذية الإيرانية في الواجهة.
هذا الخيار يمنح طهران قدرة أكبر على توجيه رسائل سيادية جدية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هامش إنكار سياسي إذا تعثر المسار أو تغيرت الحسابات الميدانية.
كما يعكس هذا الترتيب فصلاً مقصوداً بين مرحلة الاختبار ومرحلة التفاوض الرسمي. فالقناة غير المعلنة تُستخدم لتحديد الخطوط الحمراء، وضبط سقوف الردود، واستطلاع فرص التهدئة، من دون التزام سياسي أو قانوني من أي من الطرفين. وفي المقابل، تبقى القنوات الدبلوماسية التقليدية خارج المشهد إلى أن تتضح إمكانية البناء على ما تحقق.
في حال نجاح هذا المسار في إنتاج تفاهمات أولية أو نقاط تقاطع قابلة للتطوير، يُتوقع أن تُنقل التفاصيل لاحقاً إلى المؤسسات الدبلوماسية المختصة، وفي مقدمتها وزارة الخارجية الإيرانية ومثيلتها الأميركية، لصياغتها ضمن إطار تفاوضي رسمي. عندها فقط، يتحول التواصل من أداة لإدارة المخاطر إلى مسار سياسي قابل للإعلان.
بهذا المعنى، لا يشير حضور قاليباف في واجهة هذا التواصل إلى اقتراب تسوية شاملة، بقدر ما يعكس إدراكاً متبادلاً بأن رفع مستوى التمثيل بات ضرورة لاحتواء التصعيد، وإبقاء خطوط الاتصال مفتوحة، من دون كسر التوازنات الداخلية أو الانتقال المبكر إلى طاولة تفاوض رسمية.