أجندة الخطاب الإعلامي في حرب الشرق الأوسط
فاضل محمد البدراني
في الحرب التي دارت بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي امتدت شظاياها إلى بلدان الخليج العربي والأردن، ووصل بعض تأثيرها إلى تركيا، برزت لغة إعلامية مختلفة عمّا عُرف في الحروب السابقة. فلم تعد المعركة محصورة في الميدان العسكري، بل تحولت أيضاً إلى حرب تصريحات ومصطلحات وسرديات إعلامية تتبدل أحياناً بسرعة تفوق سرعة الحدث نفسه.
وقد فرض التناقض المتكرر في تصريحات الرئيس الأميركي Donald Trump واقعاً إعلامياً غير مألوف على الفضائيات ووسائل الإعلام؛ إذ لم تعد القنوات الإخبارية قادرة على التمسك بخبر “العاجل” طويلاً، لأن تصريحاً جديداً قد يصدر بعد دقائق قليلة حاملاً مفردات تعاكس ما قيل قبله، سواء في مقابلات إعلامية أم في مؤتمرات صحافية.
لقد تحوّل ترامب إلى ظاهرة خطابية لافتة في السياسة الدولية؛ فهو يميل إلى إطلاق تصريحات متشددة أو صادمة، ثم يعود أحياناً إلى صياغات أقل حدّة، الأمر الذي جعل خطابه يبدو متقلّباً وغير ثابت على نسق واحد. وفي هذا السياق قال في أكثر من مناسبة “إذا هددت إيران الولايات المتحدة فسوف تواجه قوة لم يرها العالم من قبل.” كما صرّح في مناسبة أخرى “يمكننا تدمير مواقعهم خلال دقائق”
وفي الساعات التي سبقت إعلان هدنة مؤقتة بين بلاده وإيران، كرر عبارات شديدة اللهجة، منها:“سأدمر حضارة كاملة… وسأعيد إيران إلى ما قبل العصر الحجري.”
ثم بلغ الخطاب حدّاً أثار جدلاً واسعاً حين قال “الإيرانيون اختاروني مرشداً لهم، لكنني رفضت.”
عنصر مفاجأة
وقد منحت هذه اللغة المفاجئة لتصريحات ترامب طابعاً درامياً لافتاً، حتى بدا أن عنصر المفاجأة والتناقض أصبح جزءاً من أسلوبه الإعلامي. أما الخطاب السياسي للمسؤولين الأميركيين، فيركّز غالباً على إبراز قوة بلادهم بوصفها القوة الأكبر في العالم، في رسالة تتجاوز الخصم المباشر لتصل إلى الصين وروسيا، وتتضمن أحياناً إشارات غير مباشرة إلى أوروبا التي شهدت علاقاتها مع إدارة ترامب توتراً سياسياً.
كما تُصاغ تصريحات المسؤولين الأميركيين بعناية، وتسعى إلى تقديم صورة سلبية عن الخصم، ومن ذلك ما قاله وزير الخارجية الأميركي Mike Pompeo:
“النظام الإيراني يهدد استقرار المنطقة، وعلى طهران أن تدرك أن زمن التوسع قد انتهى.” في المقابل، اتسم الخطاب الإيراني بلهجة أكثر حدّة وصراحة، مع محاولة واضحة لإظهار القوة والصمود. فقد قال المرشد الإيراني Ali Khamenei في أحد خطاباته “الولايات المتحدة لن تستطيع فرض إرادتها على إيران، وأي عدوان سيقابل بردّ قاسٍ.” كما أعلن أحد قادة Islamic Revolutionary Guard Corps أن القواعد الأميركية في المنطقة تقع تحت مرمى صواريخهم. واتسم الخطاب الإيراني أيضاً بقدر من الانفعال ومحاولة إخفاء بعض تفاصيل الخسائر خلال المواجهة. فعند استهداف موقع إقامة المرشد الإيراني علي خامنئي، تأخر الإعلان عن نتيجة القصف الذي استهدف مقر إقامته نحو ثماني ساعات تقريباً قبل الإعلان رسمياً عن وفاته، وهو ما عُدّ جزءاً من إدارة الحرب الإعلامية ومحاولة لضبط ردود الفعل الداخلية والخارجية قبل الاعتراف بالحادث.
وقد تميز الخطاب الإعلامي في هذه الحرب بتعدد أجنداته؛ إذ لم تعد وسائل الإعلام التقليدية وحدها تنقل الحدث، بل شارك المواطن نفسه في بث الوقائع عبر منصات التواصل الاجتماعي، وقد يتحول بعد لحظات قليلة إلى شاهد على القصف أو حتى ضحية له.
ورغم أن الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي قدّما كماً واسعاً من المعلومات، فإن تفاصيل مهمة بقيت غائبة بسبب تعمّد الأطراف الرسمية إخفاء بعض الحقائق المتعلقة بالأهداف العسكرية أو حجم الخسائر. وهكذا غابت الحقيقة – إلى حدّ ما في تصريحات المسؤولين لدى الأطراف الثلاثة «الأميركي والإسرائيلي والإيراني» حيث سعى كل طرف إلى تسويق روايته الخاصة، ويعود ذلك إلى أسباب عدة، منها خشية الحكومات من ردود فعل الجمهور، فضلاً عن أن هذه الحرب شهدت مستوى مرتفعاً من التزييف الإعلامي والحرب النفسية.
سمة بارزة
لقد أصبح الاحتدام المعلوماتي سمة بارزة في هذا الصراع؛ ففي داخل كل دولة منخرطة في الحرب ظهرت وسائل إعلام تناقض خطاب الدولة نفسها، بل تعارض أحياناً مواقف قوى سياسية ترفض الحرب من الأساس. كما لعبت وسائل الإعلام في دول الخليج العربي دوراً مؤثراً في تشكيل الرأي العام الدولي ومن ذلك الرأي العام في الوطن العربي، فعندما تعرضت منشآت حيوية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ركّز الخطاب الإعلامي الخليجي على إبراز حجم الأضرار وخطورة البرنامج الصاروخي الإيراني، في محاولة لحشد إدانات دولية عبر United Nations والقوى الكبرى وتحميل إيران مسؤولية التصعيد.
وهكذا تحولت الحرب إلى مواجهة مزدوجة: مواجهة عسكرية في الميدان، ومواجهة إعلامية في الفضاء الرقمي، حيث تتصارع الروايات بقدر ما تتصارع الجيوش. أما السمة الأوضح في هذا المشهد فهي اختلاف البيئة الثقافية للخطاب السياسي؛ فالتصريحات الأميركية غالباً ما تتسم بلغة مرنة أو غامضة أو رمادية قابلة للتأويل، في حين يتسم الخطاب الإيراني بلهجة مباشرة وحادة في المواجهة الاعلامية تعلن مواقفها بوضوح، وتعكس بذات الخطاب مستوى من التحدي وإخفاء الانكسار إن حصل. وبين هذين النموذجين يقف المتلقي أمام سيل من التصريحات المتباينة، في حرب لم تعد ساحتها الجغرافيا وحدها، بل امتدت إلى العقول والوعي العام أيضاً.