الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
توظيفُ الحكم والأمثالِ الشعبيةِ في أزمنةِ الحروبِ


توظيفُ الحكم والأمثالِ الشعبيةِ في أزمنةِ الحروبِ

الدكتور محمد خضير الانباري

  تستعيدَ الحكمَ والأمثالَ الشعبيةَ حضورها وألقها في أزمنةِ الحروبِ والأزمات، إذْ تجسدُ خلاصةَ تجاربِ الأجدادِ وخبراتِ الشعوبِ عبرَ العصورِ فهيَ ليستْ عباراتٍ عابرة، بلْ بوصلةً واعيةً ترشدُ السلوكَ في الظروفِ العصيبة، وتدعو إلى الحيطة، وتجنبَ المواجهاتِ المباشرة، والسعيُ لحمايةِ الفردِ والمجتمع.

   فعندما يقال: «أبعدَ عنْ الشرِ وغنِ لهُ » ، فليسَ في ذلكَ دعوةً إلى الجبن، بلْ هوَ تعبيرٌ عنْ حكمةِ تجنبِ ما يفوقُ القدرةَ على مواجهته. وكذلكَ يعكسُ المثلُ الشعبي: «أدوسُ على الجنيِ وتقولُ اصمله» ويعني ضرورةَ التغاضي عنْ الاستفزازاتِ الصغيرة، درءا لأزماتِ أكبر.

  وهنا يبرزُ مفهوم «التقيةِ » ، كما وردَت في الأحاديثِ الإسلامية، ومنها: «التقيةُ دينيٌ ودينُ آبائي » ، المنسوبَ إلى الأمامِ جعفرْ الصادقْ (ع ) ، ويقصدَ بهِ جواز إخفاءِ المعتقدِ صونا للنفسِ عندَ الخطر. أما المثلُ الشهير: «إذا كانَ الكلامُ منْ فضةٍ فالسكوتُ منْ ذهبَ » ، فيؤكدُ أنَ الصمت، قدْ يكونُ أبلغَ منْ القولِ في مواقفَ كثيرة. وكذلكَ القول: «منْ كتمِ سرهِ كانَ الخيارُ بيدهِ » ، وهوَ مثلٌ عربيٌ يعبرُ عنْ حكمةِ كتمانِ الأمورِ عندَ الحاجة، حمايةٌ للنفسِ والمجتمعِ منْ الانزلاقِ إلى مواقفَ قدْ تكونُ مدمرة.

    تتضافرَ أمثالُ أخرى، لتعزيزِ هذهِ المعاني، مثل: «البابُ الليُ يجيكُ منهُ الريحُ سدهُ وأستريحُ » ، في إشارةٍ واضحةٍ إلى ضرورةِ تجنبِ مصادرِ الخطرِ قبلَ تفاقمها، وصونَ الاستقرارِ ما أمكنَ، فجميعها تدعو إلى الحذرِ وتجنبِ المخاطر، معَ ضرورةِ حسنِ تقديرِ المواقف. ويأتي المثل القائل: " الما يعرفُ تدابيرهُ حنطتهُ تأكلَ شعيرهُ " ليحذرَ منْ سوءِ التقدير، مقدمُ درسٍ للشعوبِ التي قدْ تساقُ إلى صراعاتِ تفوقِ قدرتها.

     أما على الصعيدينِ الاجتماعيِ والاقتصادي، تشددُ الأمثالِ على أهميةِ الاعتدالِ في الإنفاقِ وتجنبِ التبذير، كما في القول: " القرشُ الأبيضُ ينفعُ في اليومِ الأسودِ ". كذلكَ تعكسُ أمثالٌ مثلا: " أنا وأخويٌ على ابنِ عمي، وأنا وابنِ عمي على الغريبِ " طبيعةَ التحالفاتِ المتبدلة، التي قدْ تكونُ سلاحا ذا حدينِ في المجالِ السياسي.

     إضافةٌ إلى ذلك، تبرزَ أمثالٌ مثلا: " درهمُ وقايةِ خيرِ منْ قنطارِ علاجا "، و" إذا كانَ الكلامُ منْ فضةٍ فالسكوتُ منْ ذهبٍ "، و" اتقِ شرا منْ أحسنتْ إليهِ "، كمنظومةٍ أخلاقيةٍ متكاملةٍ تقومُ على التعقلِ وضبطِ النفس، وتجنبَ التورطِ في صراعاتٍ غيرِ محسوبة.

     فالحيادُ أوْ الصمتِ لا يعدانِ ضعفا، بلْ قدْ يكونانِ منْ أرقى صورِ الحكمة، خاصةً في أوقاتِ الأزمات. إنَ الشعوبَ التي تدركُ واقعها جيدا وتتمسكُ بحكمتها تكونَ أقدرَ على تجاوزِ الشدائدِ واستعادةِ الاستقرار.

     لقدْ كرمَ اللهُ الإنسانُ بالعقلِ ومنحهِ القدرةَ على التمييزِ بينَ الخيرِ والشر، كما في قولهِ تعالى: " لقدْ خلقنا الإنسانَ في أحسنِ تقويمٍ " [ سورةِ التين: 4 ] ، وهوَ تكريمٌ يحملهُ مسؤوليةَ التمسكِ بالقيمِ الأخلاقيةِ السامية. فالصدق، والأمانة، والرحمة، والعدل، ليستْ مجردَ مبادئَ إنسانية، بلْ ركائزُ أساسيةٌ لحمايةِ الفردِ والمجتمع، خاصةً في أوقاتِ التوترِ والصراع.


مشاهدات 72
أضيف 2026/04/11 - 11:34 PM
آخر تحديث 2026/04/12 - 2:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 87 الشهر 9410 الكلي 15227483
الوقت الآن
الأحد 2026/4/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير