الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سقوط الصوت العالي عند أول طلقة

بواسطة azzaman

سقوط الصوت العالي عند أول طلقة

أحمد جاسم الزبيدي

 

في مدينتي الصغيرة، تلك التي تقف على تخوم الريف وتتنفس بروح المدينة، لا تُروى الحكايات للتسلية فقط، بل لتوثيق طبائع البشر. مدينةٌ قال عنها الراحل أبو ستار يوماً إنها «عشيرة واحدة»، ولم يكن مبالغاً، فهنا تختلط الانتماءات كما يختلط الشاي  في استكانات مقهى مجيد الراضي”، بلا حساسيات ولا أسئلة طائفية، بل بذاكرة مشتركة وقلوب مفتوحة.

وسط هذا المشهد المألوف، ظهر علينا ذات يوم «دانكي شوت «… رجل يُدعى أبو عنتر.

موهبة شعرية

جاء من مدينة أخرى، طويل القامة، عريض المنكبين، بملامح توحي للوهلة الأولى أنك أمام شخصية لا تُمازح. لكن، وكما تقول الحكمة الشعبية: «ليس كل ما يلمع ذهباً، ولا كل من طال قامته طال فعله».

لم يمر وقت طويل حتى أصبح أبو عنتر نجماً في المقهى، لا لعمله في البيطرة، بل لشيء آخر: «موهبته الشعرية»! كان يلقي قصائده بحماسة لا تقل عن حماسة شعراء المعلقات، بينما كان الحضور يتبادلون النظرات  والهمسات التي تقول كل شيء… إلا الإعجاب.

وفي إحدى أمسياته «التاريخية»، قرر أن يرثي زوجته بقصيدة ستبقى – للأسف – خالدة في الذاكرة، لا لجمالها، بل لما فيها من طرافة غير مقصودة:

«كيف تموتين وأنتِ الطبيبة والحبيبة

وأنا اعالج البقر والأغنام

يا حبيبتي وأنا الطبيب البيطري الهمام»

كان يلقيها وهو يشير بيديه وكأنه يخاطب جمهوراً في دار الأوبرا، بينما الحضور بالكاد يمنعون ضحكاتهم من الانفجار.

لكن الشعر لم يكن وحده ميدان بطولاته. فالرجل كان يتحدث عن شجاعته وكأنه النسخة الحديثة من أبو زيد الهلالي، يروي مغامرات لا يعلم أحد إن كانت حدثت في الواقع… أم في خياله الخصب.وهنا، قرر «شباب المدينة» اختبار هذه البطولات… على أرض الواقع.

في ليلة هادئة، اصطحبوه في جولة إلى «طريق  البدع»،المظلم  وهو مكان معروف بنزهاته الليلية. وبينما كان أبو عنتر مستغرقاً في سرد مآثره، دوّى صوت طلقة نارية من خلفهم.اطلقها احد الشباب رحمه الله كان مختبأ وراء الفسائل .في تلك اللحظة… سقط القناع.لم نرَ الفارس المغوار، ولا الشاعر الجبار… بل رأينا رجلاً يتمدد على الأرض،

 يقسم بالأيمان المغلظة أنه «بريء ولا يعرف أحداً»، ويرمي بسترته الزرقاء و ما في جيبه، بل وكاد يتخلى عن دشداشته  من شدة الذعر، لولا أن تدخل الشباب وأوقفوا المشهد قبل أن يتحول إلى عرض أكثر «درامية».

وهكذا، انتهت أسطورة أبو عنتر… لا بمعركة، بل بطلقة صوت فقط.

عاد إلى منزله، واعتكف، كما يفعل كثيرون حين تنكشف “العنتريات” أمام أول اختبار حقيقي.

والحكاية هنا لا تخص رجلاً بعينه، بل تختصر مشهداً نراه اليوم يتكرر بأشكال مختلفة: أصوات عالية، خطابات نارية، ادعاءات بالبطولة… لكنها تتبخر عند أول مواجهة جدية.

باختصار، ما أكثر «أبو عنتر» في زماننا… وما أقل الشجعان الحقيقيين.

 


مشاهدات 58
الكاتب أحمد جاسم الزبيدي
أضيف 2026/04/06 - 3:01 PM
آخر تحديث 2026/04/07 - 1:17 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 68 الشهر 5100 الكلي 15223173
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/4/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير