الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التعليم العالي: يحتاج بروفيسورًا برؤية دولة لا وزيرًا عاديًا

بواسطة azzaman

التعليم العالي: يحتاج بروفيسورًا برؤية دولة لا وزيرًا عاديًا

محمد خضير الانباري

 

  يتداول الوسطُ السياسيُ والأكاديميُ في العراقِ، أسماءٍ عدةٍ ، لتولي منصبِ وزيرِ التعليمِ العالي والبحثِ العلمي، بعدَ إخفاقِ مجلسِ النوابِ في التصويتِ على مرشحِ ائتلافِ دولةِ القانون ضمنَ جلسةِ منحِ الثقةِ للكابينةِ الحكومية، ومعَ كثرةِ السيرِ الذاتيةِ، التي تُعرضُ عبرَ وسائلِ الإعلام، بما تتضمنهُ منْ شهاداتٍ وخبراتٍ ومناصبَ وتكريمات، يبقى السؤالُ الأهم: منْ هوَ الأجدرُ علمياً وإدارياً وسياسياً لقيادةِ أهمِّ وزارةٍ تُعنى بصناعةِ مستقبلِ العراق؟

  إنَّ وزارةَ التعليمِ العالي ليستْ مؤسسةً حكوميةً اعتيادية، بلْ تمثلُ العقلَ العلميَّ للعراق، وواجهةَ الأمةِ الفكرية، والحاضنةَ لأكثرَ منْ مليونِ إنسانٍ منْ أساتذةٍ وموظفينَ وطلبةٍ وباحثين، فضلاً عنْ إشرافها على جامعاتٍ ومراكزَ ومؤسساتٍ علميةٍ ضخمةٍ تضاهي بإمكاناتها مؤسساتِ دولٍ بأكملها. لذلكَ فإنَّ منْ يتولى هذهِ المسؤوليةَ يجبُ أنْ يمتلكَ مستوىً استثنائياً منْ العلمِ والثقافةِ والخبرةِ الإدارية، فالعراقُ اليومَ، لا يحتاجُ إلى وزيرٍ تقليديٍّ للتعليمِ العالي، بلْ إلى “بروفيسور دولة”، يمتلكُ عقلاً علمياً متطوراً، وشهادةً رصينةً منْ جامعةٍ عراقيةٍ أوْ عالميةٍ مرموقة، فضلاً عنْ إتقانهِ أكثرَ منْ لغةٍ أجنبية، ليكونَ قادراً على بناءِ جسورِ التعاونِ معَ الجامعاتِ العالمية، ومواكبةِ التطوراتِ المتسارعةِ في مجالاتِ البحثِ العلميِ والتكنولوجيا والتعليمِ الرقمي.

    أنَّ وزارةَ التعليمِ العالي، بحاجةٍ إلى إصلاحٍ جذريٍّ هادئٍ يعيدُ إليها هيبتها ورسالتها الأكاديمية، وينهي سنواتٍ منْ المحاصصةِ الحزبيةِ، التي حوّلتْ بعضَ المناصبِ الجامعيةِ إلى امتيازاتٍ تُمنحُ وفقَ الولاءاتِ السياسيةِ لا الكفاءةِ العلميةِ والخبرةِ الأكاديمية، فالجامعةُ لا تُدارُ بعقليةِ الحزبِ أوْ التكتل، بلْ بعقليةِ العالمِ والمفكرِ وصانعِ النهضة، لأنها الحاضنةُ الحقيقيةُ لبناءِ الإنسانِ وصناعةِ مستقبلِ الأوطان. وهذا ما أكدَ عليه، القرآنُ الكريمُ في مكانةَ العلمِ وأهله، فقالَ  سبحانه وتعالى: ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ،الزمر: 9 ، وقالَ  سبحانه: وتعالى ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، المجادلة: 11.

    فهذهِ الآياتُ، تجسدُ حقيقةً راسخةً مفادها، أنَّ نهضةَ الأممِ تبدأُ منْ احترامِ العلمِ وتمكينِ الكفاءاتِ العلمية، لا منْ تقاسمِ المناصبِ وفقَ المصالحِ الضيقةِ والتوازناتِ السياسية.

    عندما نتأملُ تاريخَ الحضارةِ العربيةِ الإسلامية، نستحضرُ أسماءً عظيمةً ما تزالُ إنجازاتها تُدرَّسُ في أرقى جامعاتِ العالم؛ فالخوارزمي وضعَ أسسَ علمِ الجبرِ والرياضياتِ الحديثة، وأحدثَ ابنُ الهيثم ثورةً في علمِ البصرياتِ والفيزياء، وقدَّمَ الرازي وابنُ سينا إسهاماتٍ خالدةً في الطبِّ والفلسفة، فيما برعَ الجزري في الهندسةِ والابتكارِ الميكانيكي، وأسهمَ جابرُ بنُ حيان في تطويرِ علمِ الكيمياء، وتركَ الإدريسي بصمتَهُ في الجغرافيا ورسمِ الخرائط. وهؤلاءِ العلماءُ لمْ يصنعوا مجدهم بالمناصبِ أو الولاءات، بلْ بالعقلِ والبحثِ والاجتهادِ والإبداع.

    لقدْ أثبتتْ تجاربُ الدولِ الناجحةِ ، أنَّ الاستثمارَ الحقيقيَّ يبدأُ منْ التعليم، وتُعدُّ تجربةُ سنغافورة مثالاً بارزاً على ذلك؛ فعلى الرغمِ منْ محدوديةِ مواردها الطبيعية، تمكنتْ منْ التحولِ إلى واحدةٍ منْ أقوى الاقتصاداتِ العالمية، بعدما جعلتِ التعليمَ أولويةً وطنية، وربطتْ الجامعاتِ بسوقِ العملِ والبحثِ العلميِ والتكنولوجيا، ومنحتِ الأستاذَ والباحثَ المكانةَ التي يستحقانها في المجتمع، واليومَ تُصنفُ سنغافورة ضمنَ أكثرِ دولِ العالمِ تطوراً وتنظيماً، فضلاً عنْ كونها مركزاً مالياً وتجارياً عالمياً.

    إنَّ التعليمَ العاليَ في العراقِ، يجبُ أنْ يتحررَ منَ العقليةِ التجاريةِ، التي بدأتْ تُفرغُ التعليمَ منْ مضمونهِ الإنسانيِّ والعلمي، عبرَ فرضِ الرسومِ والمبالغِ تحتَ مسمياتٍ متعددةٍ تُثقلُ كاهلَ الطلبةِ وعائلاتهم، رغمَ أنَّ الدستورَ العراقيَّ نصَّ على مجانيةِ التعليمِ ودعمِ الدولةِ لهُ بوصفهِ حقاً أساسياً للمواطن، ولا مانعَ منْ وجودِ قطاعٍ تعليميٍّ خاصٍّ يساندُ الدولة، لكنْ ضمنَ حدودٍ معقولةٍ تحفظُ جودةَ التعليمِ ورسالةَ الجامعة، لا أنْ يتحولَ التعليمُ إلى مشروعٍ استثماريٍّ بحتٍ يُقاسُ فيهِ الطالبُ بقدرتهِ الماليةِ لا بموهبتهِ وعلمه.

    إنَّ العراقَ اليومَ بأمسِّ الحاجةِ إلى وزيرٍ للتعليمِ العالي، يجسدُ قيمَ العلمِ والنزاهةِ والاستقلالية، لا أنْ يكونَ ممثلاً لحزبٍ أوْ واجهةً لكتلةٍ سياسية، بلْ وزيراً يعيدُ للجامعةِ العراقيةِ مكانتَها المرموقةَ عربياً ودولياً، ويؤمنُ بأنَّ بناءَ الإنسانِ يسبقُ بناءَ الأبراج،  فنهضةُ الأوطانِ تبدأُ منْ قاعاتِ الدرسِ والمختبراتِ والمكتبات، والأممُ لا تُقاسُ بكثرةِ شعاراتها، بلْ بما تمتلكهُ منْ علماءَ ومراكزِ أبحاثٍ وجامعاتٍ رصينة. وإذا أرادَ العراقُ أنْ يستعيدَ دورهُ ومكانتَه، فعليهِ أنْ يبدأَ منْ التعليم، لأنهُ المعركةُ الحقيقيةُ لصناعةِ المستقبلِ وبناءِ الأجيال.

 


مشاهدات 37
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/05/18 - 3:11 PM
آخر تحديث 2026/05/19 - 1:33 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 86 الشهر 17536 الكلي 15862730
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/5/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير