الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عمارة التنّين

بواسطة azzaman

عمارة التنّين

نبراس المعموري

 

لطالما ارتبط “التنين” في ذاكرة الشعوب بذلك الكائن الأسطوري؛ الذي يشبه الزواحف، بأجنحة تارة، ومن دونها تارة أخرى، يخرج النار من فمه ليحرق الأخضر واليابس ويزرع الخوف في كل ما يحيط به. وكثيراً ما كنا، ونحن أطفال نرتجف خوفاً أمام مشاهد التنين في أفلام الكرتون والأساطير القديمة، بوصفه رمزاً للقوة المدمرة والهيمنة المطلقة.

لكن اللافت أن اسم “التنين” لم يبق حبيس الحكايات والأساطير، بل امتد ليرافق أماكن ومشاريع وعلامات تجارية ومؤسسات، وكأن هذا الاسم يمنحها هالة من القوة والتفرد والغموض. فالتسمية لم تأتِ عبثاً، بل استمدت حضورها من أسطورة حيرت الشعوب، وجعلت من التنين رمزاً تتقاطع فيه الرهبة مع النفوذ.

وفي عالمنا المثقل بالتناقضات السياسية والاجتماعية والثقافية، يبدو أن “التنين” لم يعد مجرد كائن أسطوري، بل تحول إلى صورة رمزية لبناية ضخمة متعددة الطوابق؛ لكل طابق فيها وظيفة ودور. طابق للسياسة وآخر للثقافة وثالث للتعليم، وطوابق أخرى تضم وجوه المجتمع المختلفة، بكل تناقضاتها ومستوياتها الفكرية والمادية والأخلاقية.

هذه “العمارة” لا تختلف كثيراً عن تلك الأمكنة التي تطبخ فيها القرارات والمصالح، وتدار فيها العلاقات وفق المزاج والمصلحة والنفاق المقنع. أما الأقنعة، فهي كثيرة؛ بعضها يرتدي الحكمة، وبعضها يتزين بالأخلاق، فيما تخفي خلفها نفوساً مأزومة تبحث عن السلطة أو التعويض أو اللذة أو إثبات الذات بأي وسيلة ممكنة. هناك من يوهم الناس بأنه مثال للرقي والفضيلة، بينما يمارس في الخفاء كل ما يناقض الصورة التي صدرها عن نفسه.

عمارة التنين”  استعارة لواقع يزداد فيه التعايش مع الازدواجية؛ ازدواجية النزاهة والفساد، والأخلاق والرذيلة، والمعرفة والجهل، والوعي والزيف. واقع يتقن فيه البعض لعبة الظهور بمظهر الحكماء، فيما هم غارقون في أشكال متعددة من السقوط الإنساني بجلب تلك او تلك او تلك في عتمة الظلام.

وما يثير التساؤل حقا… كم نحتاج من الوعي والعمل لنتمكن من هدم هذه البنايات المعنوية التي تتخفى خلف عناوين براقة، بينما تعج بالفساد والانحدار؟ كم نحتاج من الصدق كي يصبح قادة المجتمع قادة حقيقيين، لا مجرد ممثلين يجيدون ارتداء الأقنعة أمام الناس، ثم يسقطون أخلاقياً خلف الأبواب المغلقة؟

إن أخطر ما في “عمارة التنين” ليس شكلها الخارجي، بل قدرتها على خداع الآخرين بينما هي تخفي في الداخل عفناً اخلاقياً وروحياً بشخصيات تلمع امام العامة الا انها عكس ذلك . فليس كل ما يلمع نقياً، وليس كل من يتحدث عن الفضيلة مؤمناً بها.

لقد كانت “عمارة التنين” درساً قاسياً في فهم الصدمة الإنسانية، وفي اكتشاف كيف يمكن للبعض أن يمارس الرياء باحتراف، وأن يتقن التلون إلى الحد الذي يجعل الحقيقة تبدو غريبة وسط هذا الكم من الزيف. وهي أيضاً رسالة تحذير: أن نبتعد عن كل ما يلمع ظاهرياً بينما يخفي في داخله القبح، لأن القذارة الفكرية والأخلاقية لا تقل عدوى عن الأمراض التي تصيب الأجساد.

 

 

 


مشاهدات 63
الكاتب نبراس المعموري
أضيف 2026/05/18 - 3:39 PM
آخر تحديث 2026/05/19 - 12:41 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 34 الشهر 17484 الكلي 15862678
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/5/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير