(جكّه) في بيت أم ليلة
حاكم الشمري
في مسلسل بيت أم ليلة الذي عُرض في رمضان الفائت اخراج علي ابو سيف، قدّم الفنان سلام هاشم شخصية (سعد جكّه) بصورة لافتة، جسّد فيها أحد الوجوه المظلمة التي كانت تتحرك في الظل خلال حقبة النظام السابق. شخصية لم تكن مجرد دور درامي عابر، بل كانت تمثل نموذجًا اجتماعيًا معروفًا في تلك المرحلة، حيث لعبت أدوارًا خفية في تهيئة أجواء اللهو والترف غير المشروع لبعض المتنفذين، عبر استقطاب النساء وتنظيم جلسات الطرب والكيف.
هذا الطرح الدرامي لم يكن بهدف الإثارة أو الصدمة، بقدر ما كان محاولة لفتح نافذة على واقع كان موجودًا، لكنه غالبًا ما بقي مسكوتًا عنه. فـ (جكّه) لم يكن مجرد فرد، بل كان انعكاسًا لمنظومة كاملة من العلاقات القائمة على الاستغلال والفساد الأخلاقي المرتبط بالسلطة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:هل انتهت تلك الظواهر بانتهاء ذلك الزمن؟
الواقع يشير، بهدوء ودون مبالغة، إلى أن بعض الممارسات لم تختفِ بالكامل، بل تغيّرت أشكالها وتوسّعت في بعض الأحيان. لم تعد محصورة في دوائر ضيقة أو شخصيات محددة، بل باتت وفق ما يتداوله الشارع أكثر تعقيدًا وتشابكًا، مع دخول أطراف جديدة من متنفذين وأصحاب نفوذ، في ظل ضعف الرقابة وتداخل المصالح.
غير أن المقارنة هنا لا يجب أن تكون انفعالية أو اتهامية، بل تحليلية وهادئة. فلكل مرحلة ظروفها وسياقاتها، وما يُطرح اليوم يحتاج إلى قراءة واعية تتجنب التعميم، وتستند إلى الحقائق لا الانطباعات.
الدراما، كما في حالة “جكّه”، تلعب دورًا مهمًا في تسليط الضوء على هذه الظواهر، لكنها لا تملك وحدها أدوات التغيير. المسؤولية الحقيقية تقع على عاتق المؤسسات الرقابية، والإعلام المهني، والمجتمع نفسه في رفض هذه السلوكيات وعدم التماهي معها.
إن معالجة هذا الملف لا تكون بالصدام أو التهويل، بل عبر تعزيز الشفافية والمساءلة ودعم الأعمال الدرامية الجادة التي تطرح القضايا بعمق ونشر الوعي المجتمعي حول خطورة استغلال النفوذ وبناء بيئة تحترم القانون وتُفعّل تطبيقه على الجميع دون استثناء.
في النهاية، تبقى شخصية (جكّه) علامة درامية ذكية، أعادت فتح ملف قديم بصيغة فنية، لكنها في الوقت نفسه تذكير بأن بعض القضايا لا تنتهي بتغير الأنظمة، بل تحتاج إلى وعي مستمر وإرادة حقيقية للإصلاح. فالدراما قد تروي الحكاية… لكن المجتمع هو من يكتب نهايتها.