الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حدائق الشهداء وشياطين السماء

بواسطة azzaman

حدائق الشهداء وشياطين السماء

محمد جواد الميالي

 

حربٌ أخرى تخاض بدم الأبرياء، وسماء أسودت فلم تعد زرقاء، مثقلة بصواريخ تتساقط كالشياطين، فوق شعوبٌ بلا مأوى، وأمهاتٌ يصرخن بأطفالٍ لن يجيبوا بعد اليوم، لأنهم تحت ركام مدرسة «ميناب»..

حربنا اليوم ليست مجرد صراع سياسي، ولا نزاعاً على حدود أو نفوذ، وإنما حرب على الهوية، على مذهبٍ كامل.. كل من يرفع صوته صارخا إن الظلم لا يُقبل، وإن المستضعف لن يُترك وحده.. لذلك كانت إيران وأهلها الهدف، فتُقصف مدنها، وتلاحق دماء المذهب في كل اطراف الشرق الأوسط.. في لبنان، العراق، اليمن وسوريا، و كل أرض رفضت يوماً الأستكبار.

العقيدة الشيعية لم تكن عقيدة خضوع، تاريخها كتب في ساحة الطف، لهذا تخشاها القوى الكبرى، وتخاف شعوبا ترى في الموت دفاعا عن الحق حياة أبدية، وترتعب من فكر لا يشترى ولا يباع، لذلك قامت هذه الحرب، ظاهرها سياسة، وباطنها خوف قديم من عقيدة لا تنكسر..

كل ليلة تعبر الصواريخ سماء طهران، ككائناتٍ شيطانية، لا ترى من الأعلى سوى نقاط صغيرة تتحرك في الشوارع، لكنها حين تضرب، تحول تلك النقاط إلى أشلاء، بيوت تنهار وعائلات تُمحى، وأطفال يخرجون من تحت الركام بلا حراك، وعيونهم ما زالت مفتوحة كأنها تسأل: لماذا؟

تتكون على الأرض حدائق جديدة، ليست حدائق ورد، بل شهداء، صفوف من القبور، متراصة، صامتة، تحمل أسماء صغيرة وأخرى كبيرة، يتوسطها أو يبدؤها علي أو حسين، هنا طفل لم يتعلم بعد كتابة اسمه، وهناك شيخ كان ينتظر حفيده ليكبر، وبينهما أمهات جفّت دموعهن من كثرة البكاء، هذه الحدائق لا تسقى بالماء، بل دماء وأشلاء..

الإعلام يتحدث عن «ضربات دقيقة» وعن «أهداف عسكرية»، لكن الحقيقة ترى في المستشفيات المهدمة، في المدارس التي تحولت إلى أنقاض، وفي الأزقة التي امتلأت برائحة الموت، أي دقة هذه التي تصيب صدور الأمهات! وأي حرب هذه التي تخاف من لعبة في يد الأطفال؟!

أمريكا واسرائيل لا تريدان إضعاف إيران، بل يسعيان لإسكات الصوت المدافع عن المستضعفين، عن شرق أوسط جديد، بلا شعوب ترفض الهيمنة، بدون ذاكرة تستحضر كربلاء كلما اشتد ظلم يزيد.

المأساة لا تقف عند حدود إيران، النار تمتد في الهشيم.. لبنان يحترق، العراق يعيش القلق ذاته، الدم واحد، والهدف واحد، وكلما سقط شهيد، التاريخ يعيد نفسه، وكأن كربلاء لم تنتهِ بعد، بل تغيّرت فقط أسماء المدن وأشكال السيوف.

ما بعد إيران ليس بعيداً، فالدور سيصل إلى دول كبرى في المنطقة، تركيا ومصر ليستا خارج الحسابات، إما أن تنحني هذه الدول وتقبل أن تكون تابعة، أو تواجه المصير نفسه.. سماء تمتلئ بالشياطين، وأرض تتحول إلى مقبرة واسعة، فالكيان المحتل يرى في كل قوة خصم له.

المشكلة أن العالم يرى كل هذا.. ويصمت، بيانات شجب باردة، واجتماعات لا تغير شيئا، وصور أطفال تمر سريعا على الشاشات ثم تنسى، وحدها قلوب الأمهات لا تنسى، وحدها القبور تبقى شاهدة.

هكذا تكبر حدائق الشهداء يوما بعد يوم، بينما تستمر شياطين السماء في التحليق، تبحث عن ضحايا جدد، وبين الحديقتين، يقف الإنسان حائرا، هل ستكبر هذه الحديقة لتشكل جنائن في الشرق الأوسط؟ أم سينتصر المظلوم في هذه الحرب؟

 


مشاهدات 64
الكاتب محمد جواد الميالي
أضيف 2026/03/31 - 11:30 PM
آخر تحديث 2026/04/01 - 1:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 76 الشهر 76 الكلي 15218149
الوقت الآن
الأربعاء 2026/4/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير