حين تمطرنا السماء بما لا يحتمل
أحمد الزبيدي
كما تعلمون، النكتة ليست مجرد ضحكة عابرة، بل هي مرآة صغيرة لواقع كبير. أحيانًا نقولها للمزاح، وأحيانًا نهرب بها من وجعٍ لا يُقال، وأحيانًا—وهذا هو الأهم—نخبّئ فيها ما لا نستطيع التصريح به.
أتذكر نكتة قديمة، من أيام الصف السادس الابتدائي، حين كنا نتباهى بمن يروي النكتة أولًا، وكأننا نحمل أسرار الكون في جيوبنا الصغيرة. كانت بسيطة جدًا، تقول:
مرّ رجل في الطريق، فإذا بعصفورٍ يحلّق فوقه، ثم يترك “هدية” غير متوقعة على رأسه. رفع الرجل عينيه إلى السماء وقال بحكمة شعبية لاذعة:
«العتب مو عليك… العتب على أمك ما ملبستك لباس!»
ضحكنا يومها كثيرًا… لأننا كنا نعتقد أن المشكلة في العصفور.
لكن، كلما كبرنا، اكتشفنا أن العصافير تكاثرت، وأن “الذروق” لم يعد حادثة عابرة، بل أصبح موسمًا دائمًا.
صرنا ننظر إلى السماء كثيرًا… لا لنتأمل زرقتها، بل لنتجنب ما قد يسقط منها.
والمفارقة أننا لم نعد نعرف:
هل نعاتب العصفور؟
أم نعاتب من ربّى هذا العصفور؟
أم نعاتب أنفسنا لأننا ما زلنا نقف تحت نفس السماء؟
اليوم، المواطن البسيط—الذي لا ناقة له في صراع الكبار ولا جمل—يقف حائرًا، يرفع رأسه لا ليرى الأمل، بل ليراقب الخطر.
أصوات النشاز تعلو، أخبار الحرب تتسابق، حديث الحصار يعود ككابوس قديم بوجه جديد، والجميع يتحدث… إلا من سيدفع الثمن.
العصافير لم تعد مجرد طيور، بل صارت رموزًا لكل من يملأ الفضاء ضجيجًا، ويتقن فن الإزعاج، دون أن يتحمل مسؤولية ما يسقط على رؤوس الآخرين.
ووسط كل هذا، لم يعد السؤال مضحكًا كما كان في طفولتنا:
«العتب على من؟»
لأن الإجابة هذه المرة ليست نكتة… بل واقع نعيشه كل يوم.