زمن الإنحطاط الثقافي
أمل الجبوري
يبدو سؤال المثقف، في الأزمنة المضطربة على وجه الخصوص، سؤالًا ملحًّا يتجاوز التعريفات المدرسية البسيطة. فمن هو المثقف؟
هل هو مجرد شخص يكتب وينشر أفكاره في عزلة، منفصلًا عن محيطه وعن الحدث التاريخي الذي يعيش فيه؟ أم أن المثقف هو، في جوهره، موقف أخلاقي وفكري يتحدد في لحظات الأزمات الكبرى، لا سيما في زمن الحروب؟
إن هذا السؤال ليس جديدًا في تاريخ الفكر. فقد واجهته المجتمعات عبر قرون طويلة، وظهرت بسببه نماذج مختلفة لدور المثقف ووظيفته في المجتمع. ويمكن – على نحو تحليلي – تمييز ثلاثة اتجاهات رئيسية في هذا السياق.
أولًا: المثقف المتأمل المنسحب من الصراع المباشر
يمثل هذا الاتجاه نموذجًا تاريخيًا يمكن استحضاره في تجربة إخوان الصفا في القرن الرابع الهجري. فهذه الجماعة الفكرية، التي ظهرت في سياق الاضطرابات السياسية والفكرية التي عرفتها الحقبة العباسية، اختارت أن تنأى بنفسها عن الصراعات السياسية المباشرة. لم تصطف مع طرف ضد آخر، ولم تنخرط في النزاعات الدائرة بين القوى المتصارعة آنذاك. بدلا من ذلك، اختارت طريقًا آخر: طريق التأمل الفلسفي في الكون والأخلاق والمعرفة. فجاءت رسائل إخوان الصفا مشروعًا فكريًا واسعًا، يتجاوز اللحظة السياسية المباشرة ليطرح أسئلة كونية حول الإنسان والعقل والعدالة والوجود. ولعل قوة هذا النموذج تكمن في أنه أنتج معرفة قادرة على تجاوز الزمن؛ إذ بقيت تلك الرسائل نصوصًا قابلة للقراءة في كل عصر، لأنها لم تكن أسيرة اللحظة السياسية العابرة.
ثانيًا: المثقف المؤدلج أو المثقف المنخرط في الصراع
يقف في الضفة الأخرى نموذج المثقف الذي يصطف في الحروب وفق انتمائه الأيديولوجي أو العقائدي أو السياسي. ففي هذا النموذج يتحول المثقف إلى ناطق باسم الجماعة التي ينتمي إليها، حتى لو كانت تلك الجماعة في موقع الظلم أو العدوان. وفي هذه الحالة يفقد المثقف استقلاله النقدي، ويتحول إلى ما يشبه “المثقف الوظيفي” الذي يبرر أفعال السلطة أو الجماعة، ويعيد إنتاج خطابها. وهنا تتراجع وظيفة الفكر النقدي ليحل محلها خطاب التعبئة والدعاية. ولعل هذا النموذج هو الأكثر حضورًا في الأزمنة المعاصرة، حيث تتشابك الأيديولوجيا بالسياسة، وتُستدعى الهوية الدينية أو القومية لتبرير العنف والحروب.
ثالثًا: المثقف الأخلاقي المنحاز للعدالة
أما الاتجاه الثالث، فهو المثقف الذي لا ينطلق من انتماء أيديولوجي أو قومي أو ديني ضيق، بل من معيار أخلاقي أساسي: الوقوف إلى جانب المظلوم، أينما كان. في هذا النموذج لا يصبح المثقف تابعًا لجماعة أو سلطة، بل شاهدًا نقديًا على الظلم. إنه ينحاز للإنسان بوصفه إنسانًا، لا بوصفه عضوًا في هوية محددة. ومن ثم فإن موقفه قد يضعه أحيانًا في مواجهة الجميع: السلطة، والجماعات، وحتى الرأي العام. غير أن هناك أيضًا نمطًا رابعًا لا يقل حضورًا، وهو المثقف الصامت: ذلك الذي يختار الصمت، أحيانًا بدافع الخوف، وأحيانًا بدافع التواطؤ، وأحيانًا أخرى بدافع الرغبة في النجاة الشخصية. وهذا الصمت – مهما كانت أسبابه – يترك المجال مفتوحًا أمام خطاب العنف والدعاية.
المثقف بين التأمل والموقف
على المستوى الشخصي، أجد نفسي قريبًا من النموذج الثالث، أي المثقف الذي يقف حيث يرى الظلم. غير أنني في الوقت نفسه أتأمل تجربة إخوان الصفا وأفكر فيها كثيرًا: كيف يمكن للمثقف أن يوازن بين الانخراط الأخلاقي في الحدث وبين التأمل الفلسفي الأوسع الذي يتجاوز اللحظة السياسية؟
إن التعبير عن القلق والغضب لا يحدث بالضرورة في ساحات الاحتجاج أو في المقابلات الإعلامية السريعة. فهناك شكل آخر من أشكال الفعل الثقافي يتمثل في تدوين الأحداث وتأملها بعمق، أي تحويل التجربة التاريخية إلى معرفة.
الحروب والاقتصاد السياسي للعنف
حين نتأمل الحروب المعاصرة، يصعب تجاهل البعد الاقتصادي الكامن خلف كثير منها. فالحروب، مهما ارتدت من شعارات دينية أو قومية أو حضارية، غالبًا ما ترتبط بمنطق الهيمنة والسيطرة على الموارد.
إن التعصب للهويات – سواء كانت قومية أو دينية – يصبح في كثير من الأحيان وقودًا لهذه الصراعات. غير أن البنية الأعمق التي تغذيها هي النظام الاقتصادي العالمي القائم على سباق التسلح. فمصانع السلاح، في نهاية المطاف، لا تزدهر إلا حين تتكاثر الحروب.
بهذا المعنى تصبح الحرب جزءًا من اقتصاد عالمي للعنف، حيث تتحول حياة البشر إلى أرقام في معادلة الربح والخسارة.
مشكلة المثقف في زمن الحرب
في مثل هذا السياق، يبرز سؤال آخر: ما قيمة الكلمات في زمن الموت؟ هل تستطيع الكتابة أن توقف الحرب؟
ربما لا. فالكلمات لا تملك قوة السلاح. غير أن قيمتها تكمن في وظيفة أخرى: حفظ الذاكرة. فحين تنتهي الحروب، غالبًا ما يكتب المنتصرون سرديات التاريخ. أما الضحايا فتُبتلع أصواتهم في صمت الهزيمة.
هل تستطيع الكتابة أن توقف الحرب؟
ربما لا. فالكلمات لا تملك قوة السلاح. غير أن قيمتها تكمن في وظيفة أخرى: حفظ الذاكرة. فحين تنتهي الحروب، غالبًا ما يكتب المنتصرون سرديات التاريخ. أما الضحايا فتُبتلع أصواتهم في صمت الهزيمة. فربما لا تستطيع الكلمات أن تمنع الحروب، لكنها تستطيع أن تمنع طمس الحقيقة، فالكلمة – حتى وإن لم توقف الحرب – تستطيع أن تقول: