الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سيادة القانون في زمن الحرب.. تأملات في حدود الشرعية ومصير العدالة الدولية

بواسطة azzaman

سيادة القانون في زمن الحرب.. تأملات في حدود الشرعية ومصير العدالة الدولية

 موفق البياتي

 

ليس القانون في جوهر حقيقته نصوصاً تسطر في المدونات ، ولا قواعد تحفظ في الذاكرة ، او مبادئ تردد في الخطب ، بل هو في اعمق معانيه فكرة ضبط للعنف ومحاولة عقلنة للقوة ، وهو فوق ذلك مسعى انساني دائم للإخضاع سلطات الفعلية لمعيار الحق .

 ومن هنا كانت الحروب على امتداد التاريخ اخطر امتحان يختبر هيبة القانون ، اذ تقف فيه النصوص على حافة السقوط ، وتتعرض فيه المبادئ لاهتزاز وجودي ، ويوضع فيه الضمير القانوني امام سؤال لا يجوز تأجيل الاجابة عليه : هل ان للقانون سلطة على القوة ، ام ان القوة هي التي تنشأ القانون وتحميه متى وانّا شاءت ، وانها هي التي تعيد رسم حدوده كلما ومتى ارادت ؟ ان هذه المسألة لا تتصل بواقعة حرب بعينها بقدر ما تتصل بطبيعة النظام القانوني الدولي ذاته, وبالأساس الذي تقوم عليه فكرة الشرعية في المجتمع الانساني.  لقد استقر الفكر القانوني الحديث على مبدأ اصيل مؤداه, أَن استخدام القوة يجب الا يكون الا استثناء ، وان هذا الاستثناء يجب ان يكون محاطاً بقيدي الضرورة والتناسب, وانه استقر ايضاً على ان السيادة ليست امتيازاً مطلقاً ، بل هي مسؤولية قانونية واخلاقية في آن واحد .  غير ان الواقع الدولي في تجلياته العملية ، كثيراً ما يكشف عن مسافة مقلقة بين المبدأ وتطبيقه وبين النص وروحه ، وبين الشرعية كما ينظر اليها في الفقه القانوني ، والشرعية كما تمارس في عالم المصالح .   ففي لحظة الصراع المسلح تتبدل دلالات الالفاظ , وتتسع مفاهيم الضرورة ويعاد تفسير حدود الدفاع حتى يغدو القانون – وفي كثير من الاحيان – لاحقاً للواقعة لا سابقاً عليها ومفسراً للحدث لا حاكماً له وهنا تحديداً يبدأ ظهور الازمة . ان القانون الدولي في بنيته النظرية يفترض وجود ارادة جماعية تتجاوز الارادات المتفردة , ونظاماً معيارياً يسمو على المصالح الآتية ، وهذا الافتراض لا يشكل معياراً حاسماً في العلاقات الدولية ، اذا انه يصطدم على الاكثر بواقع دولي يقوم في جوهرة على تفاوت القوة واختلال موازينها .

نظام قانوني

ومن هذا التوتر والاصطدام الدائم بين المعيار والواقع نشأت المفارقة التي طبعت النظام القانوني الدولي منذ نشأتهُ فتركته قانون يسعى الى تقييد القوة ، مع انه يعتمد في تطبيقه على القوة ذاتها وهذا بالتحديد ما يبقي القانون في لحظات الازمات الكبرى معلقاً بين مثال اخلاقي يرمي الى تحقيقه وواقع سياسي يفرض منطقه عليه.

حقاً ان آثار الحروب لا تقتصر على تغيير الحدود واعادة توزيع النفوذ ، بل انها تمتد الى اعادة تشكيل وصياغة المفاهيم القانونية ذاتها ، ففي ختم الصراعات الكبرى تتكون دلالات جديدة للسيادة وترسم حدوداً جديدة للشرعية ، ويعاد تعريف وتفسير معنى العدالة من جديد ، ولكن في ضوء موازين القوة .  وهكذا هو التاريخ القانوني للبشرية يسير في حركة جدلية مستمرة ، الفوضى فيه تولد نظاماً ، ونظام يواجه ازمة ، وازمة تقضي الى عادة تأسيس المفاهيم ,ومثل هذا المسار على ضرورته التاريخية بطرح تساؤلاً اخلاقياً عميقاً حول الثمن الذي يجب ان تدفعه الانسانية في سبيل تطور قواعدها القانونية  هذه ؟

ان اخطر ما تكشفه الحروب  هو هشاشة  التوازن بين القوة والحق حين يغيب الوازع الاخلاقي الذي يمنح القانون روحه الحقيقية ، فالقواعد القانونية مهما بلغت دقتها فأنها لا تملك بذاتها القدرة على فرض سلطانها ، ما لم تسندها ارادة جماعية تؤمن بقيمتها ،ومن ثم فأن ازمة القانون في زمن الحرب ليست ازمة نصوص ، بل هي ازمة وعي ، وانها ليست قصوراً في القواعد بل ضعفاً في الالتزام بها .

 وهنا تتجلى الوظيفة الحضارية للقانون ، لا بوصفه نظاماً للضبط فحسب ، بل بوصفه تعبيراً على الضمير الانساني في سعيه الدائم الى الحد من العنف وارساء العدل .

ان التأمل في الحروب المعاصرة يقودنا الى حقيقة لا ينبغي اغفالها وهي ان الشرعية القانونية لا يمكن ان تستقر الا اذا تحررت من الارتهان لمنطق القوة واصبحت مبدأ سابقاً على المصالح ، لا تابعاً لها ، فالقانون الذي يبرر القوة يفقد مبررات وجوده ، والشرعية التي تتغير بتغير موازين القوة تتحول الى مجرد خطاب سياسي لا قيمة معيارية له.

مجتمع دولي

ومن هنا فأن مستقبل النظام القانوني الدولي يتوقف على قدرة المجتمع الدولي على اعادة الاعتبار لفكرة القانون بوصفه ضابطاً للقوة لا انعكاساً لها .

  وهكذا ، فأن الحرب ليست حادثة عابرة في سجل التاريخ ، بل هي لحظة كاشفة تعري الاوهام الكبرى وتضع القانون وجهاً لوجه امام حقيقته المجردة ، فأما ان يكون ميزاناً يقوم اعوجاج القوة ، او انه يتحول الى صدى لها ، فيدور في فلكها حيث دارت .  ان الشرعية التي لا تصمد امام امتحان الدم ليست شرعية, والقانون, الذي يعجز عن كسح سلطان القوة ليس بقانون بل نص فاقد لروحه ، وهيكل قائم لا معنى له ذلك ان القانون في جوهره عهدً اخلاقي قبل ان يكون بناءً تشريعياً ، وهو التزام اخلاقي قبل ان يكون قاعدة ملزمة .  ولئن كانت الحروب تعيد رسم الحدود فأنها في حقيقتها الاعمق تعيد رسم المعنى الانساني للعدالة وتعيد تشكيل الضمير الانساني بين نداء الحق واغواء القوة ، وفي هذا المفترق الحاسم يتحدد مصير العدالة هل انها تبقى اسيرة منطق القوة ، ام انها ترتقي الى افق القانون بوصفه الضامن لكرامة الانسان .   وحين يهدأ ضجيج السلاح وتسكن عواصف الصراع ، لن يبقي السؤال : من انتصر في الحرب ؟ بل اي القيم بقيت حية بعدها ، واي قانون استطاع ان ينهض من بين الانقاض ليحفظ للإنسان انسانيته وللعدالة سلطانها وللتاريخ معناه ، وعند هذا الحد الفاصل بين القوة والحق ، تكتب الكلمة الاخيرة ويعلن التاريخ حكمه ، اما سيادة القانون ، واما سيادة الفوضى.

 


مشاهدات 37
الكاتب  موفق البياتي
أضيف 2026/03/03 - 3:29 PM
آخر تحديث 2026/03/04 - 3:40 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 144 الشهر 3339 الكلي 14957408
الوقت الآن
الأربعاء 2026/3/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير