نادية هناوي وكتابها الأربعون
بغداد -الزمان
ترى نادية هناوي أن من يتفحص الأطروحات الغربية حول نشأة الرواية وتطورها، فسيجد أنَّ غالبية النقاد يتحدثون عن( شموليتها) من النواحي التاريخية والفنية.
وأنهم قلما يتطرقون إلى القصة التي كتبها أدباء ورحالة ما قبل القرن الخامس عشر للميلاد. في حين ترى على صعيد نقدنا العربي أن سرديات الرحلة العربية قديما وحديثا حظيت باهتمام باحثين ونقاد كثيرين، غير أنهم بالمجموع تجزيئيون، يدرسون زوايا محددة شكلية أو موضوعية من الرحلة بحسب مقتضيات المناهج الأحادية.
وهذا وغيره هو ما تضمنه كتابها الجديد( أقلمة سرديات الرحلة عربيا وأجنبيا) والصادر حديثا عن « أبجد» للترجمة والنشر ببغداد. وهو يحمل الرقم أربعين في تعداد كتب المؤلفة - وبه تستكمل سلسلة ما ألفته في الأقلمة السردية، ودورها في بناء نصوص أدبية مبتكرة أصيلة بالاعتماد على ما في التاريخ الأدبي من أصول ومصادر ونماذج.
وتتوزع أسباب توجيه المؤلفة الاهتمام نحو السرد الرحلي بالناحيتين التأصيلية والنمذجية من خلال ثمانية فصول تُعنى بتاريخ الرحلة وما تشتمل عليه من مصادر ونماذج وأنواع ودوافع وأغراض وخصائص. فأما الفصل الأول فيعطي اهتماما لتاريخ الأدب بحثا عن القاعدة التي عليها قامت الأصول وانحدرت التقاليد الأدبية وتشكلت أجناس الشعر والسرد وذلك من خلال مبحثين الأول يهتم بتأصيل الرحلة نوعا سرديا، ويُعنى المبحث الآخر باستبصار أقلمة مواضعات نماذج هذا النوع من السرد على حدة.
رحلة كلكامش
ويأتي الفصل الثاني ليبحث في دور سردية رحلة جلجامش في نشأة التقاليد في بعديها الموضوعي والفني، تأكيدا ( لأهمية ملحمة جلجامش التي تأتي من كونها مصدرا أصليا، ساهم البناء الشعري الملحمي أولا والتدوين والنسخ آخرا في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية، بل قبل ذلك في مرويات الرحلات الصينية التي لها تاريخ عريق يعود إلى عصور ما قبل الميلاد، وفيه شكلت الرحلة موضوعا رئيسا). ويستكمل الفصل الثالث دراسة أقلمة الرحلة العربية والأجنبية لكن في ضوء( علم السرد غير الطبيعي) بغية معرفة دور المؤلف وأهمية المكان في الســــــــرد الرحلي بضمير المتكلم سواء على مستوى الانشاء النصــــــــي أو مستوى موثوقيــــة التوصيل القرائـــــي.
ويأتي الفصل الرابع ليدرس مركزية الهوية في تآليف الرحلة العربية التي تعدُّ الأكثر تمثيلا لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال ثلاثة محاور هي: 1/ موقع المؤلف هامشا في الثقافات الهجينة. 2/ موقع المؤلف مركزا في الثقافات الأحادية. 3/ أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة، ورحلة ابن فضلان خاصة.
ويختص الفصل الخامس بدراسة أقلمة كتاب (وصف إفريقيا) بصفته نصا مصدرا، تمت عملية أقلمته عبر العصور. ويُعنى الفصل السادس بأقلمة( وصف إفريقيا) في نص روائي هو( ليون الإفريقي) لأمين معلوف. ويركز الفصل السابع النظر في مفاضلة الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائيا من ناحية نماذجها وأساليب كتابتها ودرجة التقارب بينها وبين الرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وطبيعة مفاضلة الأنا للآخر. وكيف تغيرت صورة هذه العلاقة عبر التاريخ. ويدرس الفصل الثامن أقلمة سرديات الرحلات الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية المعنية بأدب الرحلات وهي بالعموم قليلة ومؤلفة خلال القرن الحادي والعشرين.
هذا وتختتم نادية هناوي كتابها الواقع في أكثر من ثلاثمائة وثلاثين صفحة من القطع المتوسط بالقول ( وعلى الرغم من اعتلال صحتي وانهيار مناعتي الجسدية، فإن ذلك لم يفت في عضد ما أردت بلوغه في كتابي هذا، وهو رسم منهاج عمل نقدي للطريقة التي بها يمكن للأقلمة السردية أن تكشف عن الجذور والأصول، وتنقب عن التقاليد السردية، تدليلا على الملامح التي بها تتأكد فاعلية الأدب العربي في ما أنتجه من مواضعاتٍ، تصبُّ في باب ترسيخ الهوية وبالشكل الذي يجعل الطريق سالكًا نحو تأسيس علمِ سردٍ عربيٍّ. وأملي كبير في أن أكون باجتراحي لهذا المسلك قد يسَّرت على الباحثين مهمة البناء على هذا التأسيس.)